أزمة المدرسة المغربية: حان الوقت لتحديد المسؤوليات

239٬116
  • محمد باجي (°)
تعيش المدرسة المغربية منذ الدخول المدرسي الحالي (2023-2024) حالة غليان واحتقان غير مسبوق، وذلك نتيجة المحاولة اليائسة التي باشرتها وزارة التربية الوطنية وشركاؤها، وهي تسارع الوقت لتمرير نظام أساسي تراجعي ومجحف، غرضه دق آخر مسمار في نعش التعليم بالمغرب، مدعمة بوزارات ومؤسسات أخرى، في مقدمتها الحكومة، دون أدنى استحضار، البتة، لواقع المدرسة العمومية ومشاكلها الحقيقة، التي سبق للوزير السابق الراحل محمد الوفا (رحمه الله) أن أشار إليها قطعا، بقول صريح مفاده: “أن إصلاح التعليم بالمغرب لن تقوم له قائمة دون معالجة الاختلالات الداخلية في المنظومة”، اختلالات ظاهرة للعيان، عنوانها العريض هو ادعاء إصلاح المنظومة ببرامج ومخططات تنهك ميزانية الدولة دون أن نرى لها انعكاسا حقيقيا في الواقع، وسنستعرض في هذه المقالة أبرز ملامح هذه الانتكاسة الخطيرة التي تعيشها المدرسة المغربية بشكل عام والمدرسة العمومية بشكل خاص:
أولا: تعيش المدرسة العمومية المغربية، بشكل خاص، ظاهرة الاكتظاظ داخل الفصول، حيث يصل عدد التلاميذ في الفصل إلى 40 تلميذا ويزيد عن ذلك في غالب الأحيان، خاصة في المؤسسات التعليمية الإعدادية والتأهيلية، كما تعيش أيضا ظاهرة الأقسام المشتركة، التي تنتشر بالعالم القروي تحت مبرر قلة أعداد التلاميذ في كل الفصول، مما يجعل الوزارة تشح وتبخل في تمكين المستويات بتلك المدارس القروية من أساتذتهم بشكل متكامل، فتتفتق عبقريتها بالسعي إلى تكامل المستويات للاستفادة من أستاذ واحد. فأين نحن من مصلحة التلميذ التي تتغنى بها الوزارة، في ظل هذه الممارسات والتدابير البئيسة؟
ثانيا: كثافة المقررات الدراسية من الناحية الكمية، في تغييب مجحف للجوانب الكيفية، حيث يجد الأستاذ نفسه مجاريا للزمن قصد إنهاء المقرر، والحال أن استفادة المتعلمين وإدراكهم لتعلماتهم بشكل واع تبقى أمرا مستبعدا.
ثالثا: تناسي الوزارة والحكومة الوضعية الاعتبارية والنفسية والمالية للسادة الأساتذة والأطر، وهي معادلة صعبة جدا نفهمها كالآتي: إذا كان الأستاذ مرتاحا من الناحية المالية والرمزية والاعتبارية والنفسية فذلك ينعكس إيجابا على مردوديته داخل الفصل، وغير ذلك هو بمثابة سكب للماء في الرمل.
رابعا: توجيه ميزانيات ضخمة جدا للتكوينات دون أن يكون لها تأثير إيجابي في الرقي بالأداء الأستاذي داخل الفصل، لأن الغاية من تلك التكوينات، وهو أمر مفهوم تماما، ملء البيانات واستصدار المبررات لتعليل أوجه صرف الميزانيات، وهو أمر خطير جدا، كونه لا ينطلق من قاعدة المنهج العقلاني القائم على أربعة مبادئ هي: التشخيص والتخطيط والتدبير ثم التقويم.
خامسا: تغافل مؤسسات الدولة، وخاصة القضاء، عن تقارير مجالس الحسابات التي وقفت على اختلالات مالية في كثير من الأكاديميات ومصالح الوزارة، دون أن يتم اتخاذ المتعين فيها، بإحالة المتورطين على العدالة، ليكونوا عبرة لكل المسؤولين، في إطار جدلية ربط المسؤولية بالمحاسبة المغيبة تماما في التدبير الإداري والمؤسساتي في بلدنا، ما دمنا نرى تلك الأسماء التي أشارت إليها تقارير مجالس الحسابات تعين في مناصب أخرى تدبيرية وفي مناصب حساسة جدا، وهي إشارة قطعية في مغرب ما بعد دستور 2011 تطمئن كل لص وسارق ليستمر في فتوحاته.
سادسا: تواطؤ الإعلام مع المجتمع في هدم قيمة المدرسة والمدرس، وذلك من خلال تمرير رسائل مستبطنة تهدم القيم السامية وتشجع التفاهة.
سابعا: تسجيل هوة صارخة بين ما يدرس داخل المدرسة المغربية والمحيط الذي يحتضنها، وهو إشكال خطير يقلص من الاهتمام بالمدرسة وبالدراسة لدى الأطفال والمتعلمين، الذين ينصدمون نتيجة غياب انعكاس معقول لما تعلموه في أوراش الشغل داخل محيطهم، وبالتالي يفهمون أنهم ولو نجحوا في دراستهم فهناك مشكل البطالة الذي يترصدهم.
ثامنا: تسويق الوهم بالقول: إن المدرسة الخاصة والخصوصية بالمغرب بديل حقيقي لتجاوز واقع المدرسة العمومية. وهذا طرح خاطئ لأن التعليم الخاص بالمغرب لا زال من حيث التوظيف غير مهيكل، حيث ما زال أساتذة هذا القطاع يشتغلون ساعات كثيرة وبأجر زهيد لا يصل في بعض الأحيان حتى إلى عتبة “السميݣ”، مما يزيد من توطين معضلة التعليم بالمغرب، حيث أصبح هذا القطاع مفتوحا أمام أصحاب “الشكارات” الذين يستغلون خريجي المدرسة العمومية بأشكال غير قانونية لدر الملايير في حساباتهم، مقابل خدمة تعليمية توهم الأسر التي يستفيد أبناؤها منها، أنها خدمة تستحق الدفع، ولكن في الحقيقة ذلك ذر للرماد في العيون.
ولتجاوز هذا الواقع المرير الذي تعيشه مدرستنا عمومية وخصوصية، لا بد من العمل على تدبير القطاع بعقلانية من خلال المداخل الآتية:
أولا: الاهتمام بالأطر المشتغلة بالقطاع دون تمييز من خلال المراجعة الحقيقية لرواتبهم لغاية الزيادة فيها، ورد الاعتبار لها من خلال تحمل الجميع مسؤوليته في الحفاظ على رمزية المعلم أسرة ومجتمعا وإعلاما ومؤسسات دولة، وهذا لن يتأتى إلا بسحب النظام الأساسي الجديد لأنه بمثابة تكريس لمسلسل التراجعات.
ثانيا: وعي الدولة بضرورة محاسبة المتورطين في نهب ميزانيات الإصلاح المزعوم، والقطع النهائي مع بقاء ديناصورات تلك الإصلاحات على رأس مصالح الوزارة.
ثالثا: إشراك السادة الأساتذة في المراجعة الشاملة للمناهج والمقررات من خلال التفعيل الفوري لقرارات المجالس من داخل المؤسسات، مع العمل على جعل هذه المهمة في طليعة المهام ذات الأولوية.
رابعا: توظيف أعداد كافية من المدرسين لتغطية الخصاص المهول في القطاع والحد من الاكتظاظ والقطع مع الأقسام المشتركة، وتسريع اعتماد التخصص في التدريس بالسلك الابتدائي.
 خامسا: جعل التوظيف بالقطاع الخصوصي تحت مسؤولية الوزارة، وهو مدخل أساسي لحفظ حقوق الأساتذة في هذا القطاع.
سادسا: تبني رؤية إصلاحية واضحة المعالم بعيدا عن إملاءات صندوق النقد الدولي، والقطع مع التبعية العمياء له ولغيره.
سابعا: خلق جسر اجتماعي واقتصادي بين المدرسة ومحيطها، من خلال التوطين الأمثل لخريجي المدرسة العمومية في إطار جدلية مفيد-مستفيد.
ثامنا: اعتماد برامج تكوين حقيقة للسادة الأساتذة خاصة الملتحقين الجدد بمهن التعليم.
وارتباطا بما سلف، لا يمكن أن نتجاوز هذا الواقع البئيس للمدرسة العمومية في ظل غياب إرادة سياسية واضحة لدى الحكام، مستهلها السحب الفوري لنظام التراجعات الذي جيء به إرضاء للبنك للدولي، لأن الإقلاع الحقيقي للبلدان، كما تعلمنا من التاريخ، يكون بنقد ذاتي صريح معضد ومقوى باستعادة الثقة في كل ما هو محلي.
 (°) أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي – خنيفرة
error: