المغرب..الإعلام والاتصال في المنطقة الحمراء.. قطاع يسجل تراجعا رغم التحول الرقمي

المغرب..الإعلام والاتصال في المنطقة الحمراء.. قطاع يسجل تراجعا رغم التحول الرقمي
المغرب..الإعلام والاتصال في المنطقة الحمراء.. قطاع يسجل تراجعا رغم التحول الرقمي
محمد اليزناسني الأربعاء 10 يونيو 2026 - 19:30 l عدد الزيارات : 3803

تكشف الحسابات الوطنية المؤقتة لسنة 2025 عن مفارقة لافتة داخل الاقتصاد المغربي. ففي الوقت الذي يتوسع فيه الحديث عن التحول الرقمي، وعن اقتصاد المعرفة، وعن مكانة التكنولوجيا والاتصال في النموذج التنموي الجديد، سجل قطاع الإعلام والاتصال تراجعا بنسبة 0,5%، بعد أن كان قد حقق نموا بنسبة 2,9% سنة 2024.

هذا الرقم، وإن بدا محدودا من حيث النسبة، يحمل دلالة اقتصادية ومهنية مهمة. فهو لا يتعلق بقطاع هامشي، بل بمجال يفترض أنه يوجد في قلب التحولات الحديثة: الاتصال، الرقمنة، المحتوى، التكنولوجيا، الخدمات الرقمية، الإعلام، المنصات، الإشهار، والمعطيات. لذلك فإن انتقال هذا القطاع من نمو إيجابي إلى نمو سلبي يطرح أكثر من سؤال حول عمق التحول الرقمي، وحول قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الخطاب الرقمي إلى قيمة مضافة حقيقية.

موجز أنباء المونديال خلال 24 ساعة الأخيرة، الأربعاء 10يونيو
اقرأ المزيد

وحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، لم يكن تراجع الإعلام والاتصال حالة معزولة بالكامل، بل جاء ضمن سياق تباطؤ أوسع للقطاع الثالثي، الذي انتقل نموه من 5,6% سنة 2024 إلى 4,3% سنة 2025. فقد تباطأت أنشطة النقل والتخزين إلى 4,2% بدل 8,5%، وتراجعت وتيرة نمو الفنادق والمطاعم إلى 7% بدل 8,4%، كما انخفض نمو الخدمات المالية والتأمينية من 9,1% إلى 5,5%. غير أن خصوصية الإعلام والاتصال تكمن في كونه القطاع الوحيد، ضمن أبرز فروع الخدمات الواردة في المعطيات، الذي دخل المنطقة السلبية.

من الزاوية الاقتصادية، يمكن قراءة هذا التراجع باعتباره مؤشرا على ضعف الطلب داخل بعض أنشطة القطاع، أو على تباطؤ الاستثمار في خدمات الاتصال والمحتوى، أو على تغيرات في سوق الإشهار والخدمات الرقمية. كما قد يعكس صعوبات بنيوية تعيشها مؤسسات الإعلام، خاصة في ظل انتقال الجمهور نحو المنصات الرقمية، وتراجع النماذج التقليدية للتمويل، وتشتت سوق الإشهار بين الفاعلين المحليين والمنصات الدولية الكبرى.

والأخطر أن هذا التراجع يحدث في مرحلة يفترض أن تكون مواتية لصعود القطاع. فالمغرب عرف خلال السنوات الأخيرة توسعا واضحا في استعمال الإنترنت، وارتفاعا في الطلب على الخدمات الرقمية، وتزايدا في حضور المنصات الاجتماعية، وتقدما في ورش رقمنة الإدارة والخدمات. ومع ذلك، لا يبدو أن هذه الدينامية تحولت بما يكفي إلى نمو اقتصادي صريح داخل فرع الإعلام والاتصال، كما ترصده الحسابات الوطنية.

هنا تظهر الفجوة بين الاستعمال الرقمي والقيمة الاقتصادية. فقد يكون المواطنون أكثر ارتباطا بالهواتف الذكية، وقد تكون المقاولات أكثر حضورا على الشبكات، وقد تتوسع الخدمات الرقمية، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أن قطاع الإعلام والاتصال ينتج قيمة مضافة كافية داخل الاقتصاد الوطني. فالتحول الرقمي لا يقاس فقط بعدد المستخدمين، بل يقاس أيضا بحجم الاستثمار، وجودة البنية التحتية، وقوة المقاولات الوطنية، ومداخيل المحتوى، وقدرة الإعلام على بناء نموذج اقتصادي مستدام.

ومن الناحية المهنية، يطرح الرقم سؤالا خاصا حول وضع الإعلام المغربي. فالمقاولات الإعلامية تواجه ضغطا مزدوجا: من جهة، تراجع العائدات التقليدية المرتبطة بالإشهار والبيع والاشتراكات، ومن جهة أخرى، ارتفاع كلفة الإنتاج الرقمي والتقني، والحاجة المستمرة إلى الاستثمار في الموارد البشرية، والمنصات، والأدوات، وحماية المحتوى. وإذا لم يكن هناك نموذج اقتصادي واضح للصحافة الرقمية، فإن الحديث عن التحول الرقمي سيبقى شعارا أكثر منه قاعدة إنتاجية.

ولا يمكن فصل هذا الوضع عن تحولات سوق الإشهار. فجزء مهم من الإنفاق الإشهاري ينتقل نحو المنصات العالمية، التي تستفيد من الجمهور المحلي دون أن تساهم بالقدر نفسه في تقوية النسيج الإعلامي الوطني. وهذا يضع المؤسسات الإعلامية المغربية أمام منافسة غير متكافئة، حيث تنتج المحتوى، وتتحمل أعباء التحرير والتشغيل والمسؤولية القانونية، بينما تستحوذ منصات كبرى على جزء متزايد من القيمة الإشهارية.

في المقابل، لا ينبغي قراءة الرقم قراءة سوداوية فقط. فتراجع بنسبة 0,5% قد يكون محدودا وقابلا للتدارك، خاصة إذا تم ربطه بسياسات واضحة لدعم الاستثمار في المحتوى الرقمي، وتقوية المقاولات الإعلامية، وتطوير البنية التحتية للاتصال، وتحسين حكامة سوق الإشهار، وتشجيع الابتكار في الخدمات الرقمية. فالقطاع مازال يملك إمكانات مهمة، لكنه يحتاج إلى بيئة اقتصادية وتنظيمية تسمح بتحويل الاستعمال الواسع للتكنولوجيا إلى قيمة مضافة وطنية.

كما أن تراجع الإعلام والاتصال يجب أن يقرأ ضمن الصورة العامة للاقتصاد سنة 2025. فقد سجل الناتج الداخلي الإجمالي نموا بنسبة 4,9%، مدفوعا أساسا بانتعاش الفلاحة وارتفاع الاستثمار. غير أن الأنشطة غير الفلاحية تباطأت من 5,1% إلى 3,9%، وهو ما يعني أن النمو العام يخفي تفاوتا واضحا بين القطاعات. وفي هذه الصورة، يظهر الإعلام والاتصال كواحد من القطاعات التي لم تستفد بالقدر الكافي من دينامية النمو.

إن دخول الإعلام والاتصال إلى المنطقة الحمراء لا ينبغي أن يمر كرقم عابر في جدول الحسابات الوطنية. فهو مؤشر على أن التحول الرقمي، رغم حضوره في الخطاب العمومي، يحتاج إلى قياس اقتصادي صارم. هل ننتج محتوى رقميا قابلا للحياة؟ هل تمتلك المقاولات الإعلامية والتكنولوجية الوطنية شروط المنافسة؟ هل يخلق القطاع فرص شغل مؤهلة؟ وهل يستفيد الاقتصاد الوطني من القيمة التي ينتجها الجمهور المغربي على المنصات الرقمية؟

الخلاصة أن تراجع قطاع الإعلام والاتصال بنسبة 0,5% سنة 2025 يطرح سؤالا يتجاوز الحسابات التقنية. إنه سؤال حول موقع المغرب في الاقتصاد الرقمي، وحول قدرة السياسات العمومية على بناء قطاع إعلام واتصال منتج، مستقل اقتصاديا، ومندمج في التحول التكنولوجي. فالتحول الرقمي لا يصبح حقيقة بمجرد انتشار الشاشات والمنصات، بل عندما يتحول إلى قيمة مضافة، واستثمار، ومقاولات قوية، وفرص شغل، ومحتوى وطني قادر على الصمود.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

المغرب-الإمارات.. توقيع مذكرة تفاهم بالرباط لتعزيز التعاون الثنائي في مجال حقوق الإنسان
الأربعاء 10 يونيو 2026 - 21:12

المغرب-الإمارات.. توقيع مذكرة تفاهم بالرباط لتعزيز التعاون الثنائي في مجال حقوق الإنسان

المغرب يجدد التأكيد على التزامه بالتعاون الدولي والحكامة الشاملة للفضاء
الأربعاء 10 يونيو 2026 - 21:05

المغرب يجدد التأكيد على التزامه بالتعاون الدولي والحكامة الشاملة للفضاء

الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وهيئة تقنين الإعلام بالنيجر توقعان اتفاقية إطار للشراكة
الأربعاء 10 يونيو 2026 - 16:21

الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وهيئة تقنين الإعلام بالنيجر توقعان اتفاقية إطار للشراكة

مرصد: شهر ماي الماضي كان أكثر الأشهر حرارة على مستوى العالم
الأربعاء 10 يونيو 2026 - 15:36

مرصد: شهر ماي الماضي كان أكثر الأشهر حرارة على مستوى العالم

corner image
error: