قطاع الخدمات يشتغل بثلاثة أرباع طاقته.. مؤشر مقلق يكشف هشاشة التعافي

قطاع الخدمات يشتغل بثلاثة أرباع طاقته.. مؤشر مقلق يكشف هشاشة التعافي
قطاع الخدمات يشتغل بثلاثة أرباع طاقته.. مؤشر مقلق يكشف هشاشة التعافي
محمد اليزناسني الخميس 11 يونيو 2026 - 18:30 l عدد الزيارات : 3423

تكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط، ضمن بحوثها الفصلية حول الظرفية الاقتصادية، أن قدرة الإنتاج المستعملة لدى مقاولات قطاع الخدمات التجارية غير المالية بلغت 74 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026. رقم يبدو، في ظاهره، تقنيا ومحدودا في دلالته، لكنه يحمل أكثر من إشارة حول وضع قطاع واسع يشمل أنشطة متعددة، من الاتصالات والنقل إلى التخزين والخدمات الملحقة بالنقل.

هذه النسبة تعني، ببساطة، أن مقاولات القطاع تشتغل دون كامل طاقتها. فهي ليست في وضع توقف أو شلل، لكنها، في المقابل، لا تستعمل كل إمكاناتها الإنتاجية. وبين الحالتين توجد منطقة رمادية تعكس اقتصادا خدماتيا يتحرك، لكن بإيقاع أقل من قدرته الفعلية، وهو ما يطرح أسئلة حول الطلب، وحجم النشاط، وكلفة الإنتاج، وثقة المقاولات في آفاق الأشهر المقبلة.

موجز أنباء المونديال خلال 24 ساعة الأخيرة، الأربعاء 10يونيو
اقرأ المزيد

وتزداد أهمية هذا المؤشر عندما يوضع بجانب معطيات أخرى أوردتها المندوبية، إذ صرح 50 في المائة من أرباب المقاولات بأن النشاط الإجمالي لقطاع الخدمات التجارية غير المالية عرف انخفاضا خلال الفصل الأول من سنة 2026، مقابل 24 في المائة فقط تحدثوا عن ارتفاعه. وهذا التراجع ارتبط أساسا بانخفاض أنشطة الاتصالات والنقل الجوي، في مقابل تحسن أنشطة التخزين والخدمات الملحقة بالنقل والنقل عبر المياه.

من هذه الزاوية، تبدو نسبة 74 في المائة انعكاسا مباشرا لهذه الصورة المتفاوتة. فبعض فروع القطاع ما زالت تتحرك وتحافظ على قدر من النشاط، بينما تعاني فروع أخرى من تراجع أو ضعف في الطلب. والنتيجة أن القطاع لا يستثمر كامل طاقته، ولا يستطيع، في الوقت نفسه، أن يقدم مؤشرا قويا على انتعاش شامل.

اقتصاديا، استعمال القدرة الإنتاجية في حدود 74 في المائة يضع المقاولات أمام حسابات دقيقة. فحين لا تشتغل المقاولة بكامل طاقتها، فإن جزءا من تجهيزاتها ومواردها البشرية وبنيتها التنظيمية يبقى دون استغلال كامل، بينما تستمر التكاليف الثابتة في الحضور. وهذا قد يضغط على هوامش الربح، ويدفع بعض المقاولات إلى تأجيل الاستثمار، أو التريث في التوظيف، أو مراجعة خطط التوسع.

وعلى مستوى الاستثمار، لا تشجع هذه النسبة، وحدها، على قراءة مفرطة في التفاؤل. فالمقاولة التي تستعمل ثلاثة أرباع طاقتها تقريبا قد لا تكون في حاجة فورية إلى توسيع كبير في قدراتها الإنتاجية، ما لم تكن تتوقع ارتفاعا واضحا في الطلب. لذلك، فإن استمرار القدرة الإنتاجية المستعملة في هذا المستوى قد يعني أن جزءا من الاستثمار سيظل مؤجلا في انتظار وضوح أكبر في السوق.

أما على مستوى التشغيل، فتبدو الصورة أكثر توازنا. فحسب المندوبية، أفاد 37 في المائة من أرباب المقاولات بأن عدد المشتغلين عرف ارتفاعا، فيما صرح 49 في المائة منهم باستقراره. وهذا يعني أن القطاع، رغم عدم اشتغاله بكامل طاقته، لم يتحول بعد إلى مصدر واسع لتقليص مناصب الشغل. غير أن استمرار النشاط دون مستوى الإمكانات المتاحة قد يحد من خلق فرص عمل جديدة، خصوصا إذا بقي الطلب مستقرا أو متراجعا.

وتكمن خطورة هذا المؤشر في أنه لا يهم قطاعا هامشيا، بل قطاعا خدماتيا له امتدادات مباشرة داخل الاقتصاد. فالنقل والاتصالات والتخزين والخدمات المرتبطة بالمقاولات تمثل حلقات أساسية في حركة الإنتاج والتوزيع والتجارة. وعندما تشتغل هذه الأنشطة دون كامل طاقتها، فإن الأمر لا يبقى محصورا داخل المقاولات المعنية، بل يمتد أثره إلى قطاعات أخرى تعتمد عليها في النقل والتواصل والتخزين والخدمات اللوجستية.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة نسبة 74 في المائة باعتبارها مؤشرا على أزمة مفتوحة. فهي تعني أن القطاع ما زال يحتفظ بقاعدة نشاط مهمة، وأن لديه هامشا للرفع من الإنتاج إذا تحسن الطلب خلال الفصل الثاني. لكن هذا الهامش، في حد ذاته، يكشف أن جزءا من الإمكانات الاقتصادية غير مستثمر بالكامل، وأن التعافي لا يزال في حاجة إلى دينامية أقوى حتى يتحول إلى أثر ملموس على الاستثمار والتشغيل.

في المحصلة، يشتغل قطاع الخدمات التجارية غير المالية في بداية 2026 دون كامل طاقته. لا هو في وضع انهيار، ولا هو في وضع انتعاش مريح. إنه قطاع يقف بين التراجع النسبي والانتظار الحذر، مستندا إلى فروع تتحسن وأخرى تتراجع، وإلى مقاولات تراقب السوق قبل اتخاذ قرارات أكبر. لذلك، فإن نسبة 74 في المائة ليست مجرد رقم تقني، بل مؤشر على اقتصاد خدماتي يملك طاقة غير مستعملة، وينتظر إشارات أقوى من الطلب حتى يستعيد كامل سرعته.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

التصنيف العالمي: الارجنتين تستعيد الصدارة والمغرب في مركز سابع غير مسبوق
الخميس 11 يونيو 2026 - 20:00

التصنيف العالمي: الارجنتين تستعيد الصدارة والمغرب في مركز سابع غير مسبوق

افتتاح مونديال 2026.. احتفال في أستيكا وفوضى أمام مهرجان المشجعين بمكسيكو
الخميس 11 يونيو 2026 - 19:45

افتتاح مونديال 2026.. احتفال في أستيكا وفوضى أمام مهرجان المشجعين بمكسيكو

الصحافة البرازيلية ترصد الضربة المزدوجة للأسود قبل مواجهة السامبا..
الخميس 11 يونيو 2026 - 19:30

الصحافة البرازيلية ترصد الضربة المزدوجة للأسود قبل مواجهة السامبا..

مونديال 2026 تحت الحراسة المشددة.. واشنطن تخشى “الذئاب المنفردة”
الخميس 11 يونيو 2026 - 19:15

مونديال 2026 تحت الحراسة المشددة.. واشنطن تخشى “الذئاب المنفردة”

corner image
error: