انطلقت فعاليات الدورة الحادية والعشرين لمهرجان موازين.. إيقاعات العالم، المنظمة من 19 إلى 27 يونيو الجاري بالرباط وسلا، على إيقاع برمجة فنية واسعة عكست، منذ الليالي الأولى، هوية هذا الموعد الثقافي باعتباره فضاء مفتوحا للتنوع الموسيقي والحوار بين الثقافات، من الطرب العربي الأصيل إلى الراب والموسيقى الإلكترونية، ومن الإيقاعات الإفريقية إلى الأغنية المغربية والأمازيغية.
وشكل المسرح الوطني محمد الخامس إحدى أبرز محطات الافتتاح، بعدما عانق جمهور الرباط صوت الفنانة السورية ميادة الحناوي في أمسية طربية أعادت الحاضرين إلى زمن الأغنية العربية الكلاسيكية. واستقبل الجمهور “ديفا” الأغنية العربية بكثير من الحفاوة، قبل أن تقدم باقة من أشهر أعمالها، من بينها “حبينا وتحبينا”، و”كان يا ما كان”، و”أنا بعشقك”، و”فاتت سنة”، في لحظات طغى عليها الحنين والتفاعل الجماعي. وزاد توشح الفنانة بالعلم المغربي من حرارة اللقاء، محولا الحفل إلى لحظة وجدانية بين فنانة صنعت جزءا من الذاكرة الموسيقية العربية وجمهور مغربي معروف بوفائه للطرب الأصيل.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، دشنت منصة أولم السويسي برنامجها الدولي بإيقاعات أكثر صخبا مع مغني الراب الفرنسي الكونغولي نينيو، الذي استقطب جمهورا شابا حج بكثافة لمتابعة عرض جمع بين الراب والإيقاعات الحضرية والأنماط الراقصة. وقدم نينيو مجموعة من أشهر أعماله وسط تفاعل قوي من الجمهور، في مشهد أكد قدرة المهرجان على مخاطبة أجيال موسيقية مختلفة، وعدم حصر برمجته في نمط واحد أو ذائقة واحدة.
النبض الإفريقي كان حاضرا بقوة في منصة أبي رقراق، حيث قدمت الفرقة التوغولية “The Ancestors” عرضا احتفاليا جمع بين الريغي والإيقاعات الغرب إفريقية والطبول التقليدية والرسائل الإنسانية المرتبطة بالسلام والوحدة. وقد بدا الحفل أقرب إلى طقس جماعي مفتوح، امتزجت فيه الموسيقى بالحركة والتفاعل المباشر مع الجمهور، فيما جسدت الأعلام المغربية والتوغولية المرفوعة في الصفوف الأولى رمزية اللقاء الثقافي بين المغرب وعمقه الإفريقي.
وتعزز هذا الحضور الإفريقي لاحقا بعرض النجم الغاني ستونبوي، الذي منح جمهور أبي رقراق سهرة نابضة بالحماس، مزجت بين الأفروبيت والريغي والدانسهول والهاي لايف. وجاءت إطلالة الفنان محملة بإشارات قوية إلى الأخوة المغربية الغانية، من خلال حضور الدقة المراكشية ورفع علمي البلدين، قبل أن يتحول الحفل إلى منصة فنية للاحتفاء بالسلام والوحدة وقوة الروابط الإنسانية.
ولم يقتصر البعد الإفريقي على العروض الجماهيرية الكبرى، إذ حملت منصة شالة نبرة أكثر تأملا وعمقا مع الفنانة السنغالية سيني كامارا، التي قدمت عرضا روحيا على آلة الكورا، مستحضرة قيم السلام والتعايش والإنسانية. وقد منحت أجواء الموقع التاريخي بعدا خاصا لهذا اللقاء الموسيقي، حيث التقت ذاكرة المكان بسحر الآلة الغرب إفريقية، في عرض اختارت فيه الفنانة أن تجعل من الموسيقى لغة للشفاء والتقاسم، وأن تضع الإنسان في صلب رسالتها الفنية.
وعلى مستوى الحضور المغربي، منحت منصة سلا مساحة وازنة للأغنية الأمازيغية من خلال الفنانة عائشة مايا ومجموعة “ريف اكسبيريونس”، في أمسية أبرزت غنى الموروث الثقافي المغربي وتعدد روافده. وقد حضرت “تماوايت” الأطلسية إلى جانب إيقاعات الريف و”إزران” في صياغات موسيقية معاصرة، بما يعكس المسار الذي قطعته الأغنية الأمازيغية في اتجاه الانتشار والتجديد، مستفيدة من التراكم الفني ومن قوة المنصات الرقمية في توسيع جمهورها داخل المغرب وخارجه.
كما شهدت منصة المسرح الوطني محمد الخامس سهرة جاز وسول مع النجمة الأمريكية مايسي غراي، التي قدمت عرضا فنيا جمع بين النوستالجيا والطاقة المسرحية، مستندة إلى صوتها الخاص وحضورها المميز. وتنقلت الفنانة بين عدد من أعمالها المعروفة، وقدمت قراءة خاصة لبعض القطع العالمية، في حفل أكد أن موازين لا يراهن فقط على جماهيرية الأسماء، بل أيضا على تنوع التجارب الفنية وقدرتها على خلق لحظات موسيقية مختلفة داخل البرنامج العام.
أما منصة السويسي، فعاشت بدورها ليلة إلكترونية صاخبة مع فرقة “ماجور ليزر”، التي حولت الفضاء إلى ساحة رقص مفتوحة، عبر عرض اعتمد على المؤثرات الضوئية والإيقاعات الإلكترونية والأنماط الكاريبية والإفريقية واللاتينية. وقد تجاوب الجمهور الشاب بقوة مع أشهر أغاني الفرقة، في مشهد يعكس موقع الموسيقى الإلكترونية ضمن برمجة المهرجان وقدرتها على استقطاب جمهور واسع يبحث عن الفرجة والحركة والطاقة الجماعية.
في المقابل، حملت الندوات الصحافية المنظمة على هامش المهرجان بعدا آخر من التغطية، من خلال تصريحات فنانين قدموا رؤيتهم للموسيقى ولعلاقتهم بالجمهور المغربي. فقد أكدت المطربة المصرية مروة ناجي أن البساطة والأصالة هما مفتاح الاستمرارية الفنية، معلنة عن رغبتها في تقديم ريبرتوار يجمع بين كلاسيكيات الطرب العربي وتكريم الأغنية المغربية. كما كشفت الفنانة المغربية جايلان عن إعداد عرض كبير على منصة النهضة، وصفته بأنه محطة لتحقيق حلم طفولتها، مع إبراز روح “تامغرابيت” في الموسيقى والصورة والأزياء. ومن جهتها، عبرت الفنانة الغينية دجليكابا بينتو عن طموحها إلى حمل الثقافة الغينية والإفريقية إلى جمهور أوسع، معتبرة أن الفن مجال للدفاع عن المرأة والتعليم والحب والصمود.










تعليقات
0