انتهى دور المجموعات من كأس العالم 2026 على وقع غزارة تهديفية لافتة، جعلت النسخة الأولى بمشاركة 48 منتخبا تدخل مبكرا دائرة الأرقام القياسية. فقد شهدت المرحلة الافتتاحية من البطولة، التي تحتضنها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تسجيل 215 هدفا، بمعدل بلغ 2.99 هدفا في المباراة الواحدة، وهو أعلى معدل تهديفي في كأس العالم منذ خمسينات القرن الماضي.
ولا يمكن قراءة هذا الرقم بمعزل عن طبيعة النسخة الحالية، التي جاءت مختلفة في كل شيء تقريبا: عدد أكبر من المنتخبات، نظام تأهل جديد، مباريات أكثر، تفاوت أوضح في المستويات، وقوائم موسعة تسمح للمدربين بتغيير إيقاع المباريات عبر دكة بدلاء أكثر عمقا وجودة.
أول ما يلفت الانتباه في هذه النسخة هو السباق المشتعل على جائزة الحذاء الذهبي. ففي العادة، كان ترتيب الهدافين حدثا موازيا للمنافسة الرئيسية، لكنه هذه المرة تحول إلى واحدة من واجهات البطولة. ويتصدر النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي القائمة بستة أهداف، متقدما على الفرنسيين كيليان مبابي وعثمان ديمبيليه، والبرازيلي فينيسيوس جونيور، والنرويجي إرلينغ هالاند، ولكل منهم أربعة أهداف.
هذا الزخم الهجومي جعل البعض يستحضر الرقم التاريخي المسجل باسم الفرنسي جوست فونتين، الذي أحرز 13 هدفا في نسخة 1958. ورغم صعوبة الاقتراب من ذلك الرقم، فإن كثافة المباريات واستمرار عدد من كبار الهدافين في الأدوار الإقصائية يجعلان السباق مفتوحا على أرقام جديدة. أما ميسي، فقد واصل تعزيز مكانته التاريخية، بعدما رفع رصيده إلى 19 هدفا في ست نسخ من كأس العالم، عقب تسجيله في فوز الأرجنتين على الأردن بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد.
لكن الغزارة التهديفية لا ترتبط فقط بجودة المهاجمين. فهناك نقاش تقني بدأ يفرض نفسه حول كرة البطولة، “أديداس تريوندا”، التي يرى بعض المتابعين، ومن بينهم حارس مرمى منتخب إنجلترا السابق جو هارت، أنها تطرح صعوبات إضافية أمام الحراس، خاصة في التسديدات المنخفضة ذات الدوران المحدود. واعتبر هارت أن الكرة تبدو أسرع مما توحي به لحظة خروجها من قدم اللاعب، وهو ما يجعل التقدير أكثر صعوبة بالنسبة لحراس المرمى.
وإذا كان هذا النقاش يعيد إلى الأذهان الجدل القديم حول كرة “جابولاني” في مونديال جنوب إفريقيا 2010، فإن الفارق أن النسخة الحالية لا تعرف فقط تسديدات صعبة، بل تعرف أيضا أخطاء دفاعية وحراسية متكررة منحت المهاجمين فرصا إضافية للتسجيل.
العامل الأكبر، مع ذلك، يبقى النظام الجديد. فالمونديال الحالي يضم 48 منتخبا بدل 32، وهو توسع أحدث تفاوتا واضحا في بعض المباريات. صحيح أن المنتخبات الصغيرة لم تكن كلها لقمة سائغة، بدليل أن الرأس الأخضر، الوافد الجديد، فرض نفسه وتأهل من دور المجموعات، بعدما تعادل مع إسبانيا والأوروغواي والسعودية. لكن في المقابل، شهدت البطولة نتائج عريضة، مثل فوز ألمانيا على كوراساو بسبعة أهداف مقابل هدف واحد، وهو ما يعكس الفوارق التي يمكن أن تظهر عندما تصطدم منتخبات كبيرة بأخرى أقل خبرة في هذا المستوى.
ولا يعني ذلك أن النتائج الثقيلة حكر على النسخة الموسعة، فقد شهد مونديال قطر 2022 فوز إسبانيا على كوستاريكا بسباعية نظيفة، وفوز إنجلترا على إيران بستة أهداف مقابل هدفين. غير أن زيادة عدد المنتخبات والمباريات في نسخة 2026 جعلت فرص تكرار هذه النتائج أكبر، خصوصا في بداية دور المجموعات، حيث تبدو المنتخبات الكبرى أكثر قدرة على استغلال هشاشة بعض الخصوم.
كما أن نظام التأهل إلى دور الـ32 قد يكون ساهم بشكل غير مباشر في رفع نسق بعض المباريات. فمع تأهل 32 منتخبا من أصل 48، أصبحت حسابات العبور أوسع، ما جعل عددا من المنتخبات تدخل المباريات الأولى بجرأة هجومية أكبر، وهي تدرك أن التعثر لا يعني بالضرورة نهاية المشوار. لكن هذا المعطى نفسه يطرح نقاشا آخر حول مدى صرامة الدور الأول، وحول ما إذا كان النظام الجديد يكافئ الجودة فعلا أم يمنح فرصا إضافية لمنتخبات لم تقدم ما يكفي.
ومن العوامل الحاسمة أيضا تأثير البدلاء. فمنذ السماح بإجراء خمسة تغييرات، وتوسيع القوائم إلى 26 لاعبا، أصبح بإمكان المدربين تغيير وجه المباريات في الشوط الثاني، وضخ طاقة جديدة في الخطوط الأمامية. وقد برز هذا المعطى بوضوح في عدة مواجهات، من بينها دخول الألماني دينيز أونداف بديلا أمام ساحل العاج، حين كان منتخب بلاده متأخرا بهدف، قبل أن يسجل هدفين متأخرين ويقود ألمانيا إلى الفوز.
لقد باتت دكة البدلاء في كأس العالم سلاحا تكتيكيا حقيقيا، لا مجرد حلول اضطرارية. والمنتخبات الكبرى، التي تملك عمقا بشريا كبيرا، استفادت أكثر من هذا الواقع، إذ تستطيع الحفاظ على النسق الهجومي حتى الدقائق الأخيرة، بل أحيانا رفعه عندما يبدأ الخصم في فقدان تركيزه ولياقته.
في المقابل، ساهمت الأخطاء الدفاعية بشكل واضح في ارتفاع عدد الأهداف. فقد عادل هدف إلياس السخيري العكسي في مباراة تونس وهولندا الرقم القياسي السلبي للأهداف العكسية في كأس العالم، بوصول النسخة الحالية إلى 12 هدفا عكسيا، وهو الرقم ذاته المسجل في مونديال 2018.
ولم تتوقف الأخطاء عند الأهداف العكسية. ففي المباراة الافتتاحية، فقد حارس جنوب إفريقيا الكرة قرب منطقة جزائه، ما سمح للمكسيك بالتسجيل. كما ارتكب حراس العراق أخطاء مكلفة في أكثر من مباراة، فيما اضطر حارس الأوروغواي فرناندو موسليرا إلى طلب استبداله بين الشوطين أمام إسبانيا، بعد خطأ تسبب في الهدف الوحيد لـ“لا روخا”.
كل هذه المعطيات تجعل غزارة الأهداف في مونديال 2026 نتيجة تفاعل عدة عوامل، لا سببا واحدا. هناك مهاجمون كبار في قمة جاهزيتهم، كرة تثير جدلا لدى الحراس، نظام موسع يخلق تفاوتا في المستويات، بدلاء قادرون على تغيير المباريات، وأخطاء دفاعية وحراسية متكررة.
لكن السؤال الأهم يبقى مرتبطا بما سيحدث في الأدوار الإقصائية. فهل تستمر الغزارة التهديفية عندما تضيق الحسابات ويصبح الخطأ ممنوعا؟ أم أن دور الـ32 وما بعده سيعيد البطولة إلى منطق الحذر والانضباط التكتيكي؟
ما هو مؤكد أن دور المجموعات في مونديال 2026 قد ترك بصمة رقمية واضحة. نسخة كبيرة في عدد المنتخبات، وغنية في عدد الأهداف، لكنها أيضا نسخة تفتح نقاشا واسعا حول مستقبل كأس العالم بين متعة الفرجة، وعدالة المنافسة، وجودة المستوى الفني.










تعليقات
0