قدمت النائبة البرلمانية خدوج السلاسي، باسم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، مداخلة مطوّلة خلال الجلسة التشريعية المخصصة لمناقشة مشروع القانون 21.59 المتعلق بالتعليم المدرسي، المنعقدة يوم الإثنين 8 دجنبر، تناولت فيها مجموعة من الملاحظات الجوهرية حول النص المعروض على أنظار البرلمان.
السلاسي استهلت كلمتها بالتأكيد أن “القوانين المؤطرة لإصلاح التعليم تكتسي أهمية بالغة”، باعتبارها ليست وثائق تنظيمية فقط، بل “الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يحدد اتجاهات الإصلاح وفلسفته وأهدافه وآلياته، ويضمن التزام الدولة واستمرارية الإصلاح وانتظاميته”. واعتبرت أن مشروع القانون 59-21 يسعى إلى تأطير الحياة المدرسية وتنظيم العلاقة بين الفاعلين وضمان الحقوق والواجبات، لكنه رغم أهميته “افتقد إلى التأنّي وإعمال المقاربة التشاركية الكافية”، ما يجعله خطوة “غير مكتملة تحتاج إلى النقد والتعديل والتجويد”.
وخلال عرضها لملاحظات الفريق، سجلت السلاسي غياب التنصيص الصريح على مجانية التعليم، معتبرة أن اعتماد تعدد مصادر التمويل، بما يشمل الدولة والجماعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، قدّم “تعريفاً جديداً للدولة باعتبارها أقرب إلى الدولة المتخلية عن أدوارها”، بينما يمنح المشروع للقطاع الخاص “مكانة موازية للتعليم العمومي”. وأوضحت أن الفريق لا يحمل أي عداء للقطاع الخاص، بل يشدد على ضرورة قيامه بدوره المواطن، شريطة النهوض بمدرسة عمومية جيدة، مجانية ومنصفة، تضمن المساواة وتكافؤ الفرص، حتى لا تجد الأسر المغربية نفسها مضطرة “إلى الهجرة من دوار إلى دوار أو من دوار إلى مدينة بحثاً عن معلمة معتبرة وهروباً من أستاذ غير جيد”. كما طالبت بالتزام الدولة بمراقبة ومواكبة القطاع الخاص “باعتبار وحدة المدرسة من وحدة الهوية الوطنية”، وخلق اختيار حقيقي للأسر بين التعليمين العمومي والخصوصي.
وانتقلت النائبة إلى نقد الفلسفة العامة للمشروع، معتبرة أنه ربط نجاح إصلاح التعليم بالمعايير المالية التدبيرية أكثر من ارتكازه على العدالة الاجتماعية والبيداغوجية، مسجّلة “الانتصار للطابع التنظيمي والإداري بدل التركيز على الوظائف البيداغوجية والقيمية”. كما اعتبرت أن المشروع لم يولِ العناية الكافية للحياة المدرسية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، وتعليم المبادئ الديمقراطية داخل المدرسة، والاندماج في العالم الرقمي، في أفق مدرسة حديثة ومتوازنة تجمع بين القيم الدينية والمدنية.
وأضافت السلاسي أن المشروع لا يستند بالشكل الكافي إلى الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، ولا إلى القانون الإطار 51.17، ولا إلى النموذج التنموي الجديد في شقه المتعلق بالرأسمال البشري. كما سجلت غياب الإحالة على اتفاقيات حقوق الطفل، والدعم النفسي، والتوجيه البيداغوجي المؤطر من قبل ذوي الاختصاص.
وفي الجانب البيداغوجي، قالت إن المشروع “يفتقر إلى نموذج واضح لتأطير العملية التعليمية”، ولا يقدم تصوراً للانتقال من التعليم الأولي إلى الابتدائي، مشيرة إلى أن التعليم الأولي لم يحظ بعد بالاهتمام اللازم على مستوى التكوين والبرامج والوضعية المهنية والمادية للعاملين فيه، مما يجعل الفريق يتمسك بمطلب إدماجهم في الوظيفة العمومية وإلحاقهم بالتعليم الابتدائي. كما اعتبرت أن المشروع لا يقدم حلولاً فعلية للهدر المدرسي، ولا خطة دقيقة لمعالجة الاكتظاظ وتجويد التعلمات الأساسية، مع وجود غموض في الحوكمة وتدبير المؤسسات، وضعف في تحديد أدوار المدير والمسيرين وآليات المحاسبة والمراقبة.
وسجلت النائبة “تراجعاً في بعض المكتسبات المتعلقة بالمدرسة الدامجة”، خلافاً للقانون الإطار الذي نصّ على تعزيز التربية الدامجة، مؤكدة أنه بعد ثمان سنوات من اعتماد القانون “لم يعد هناك أي مبرر للتدرج”. كما انتقدت غياب رؤية متكاملة لمعالجة العنف والتحرش والتنمر والحماية القانونية لأطراف العملية التربوية، وغياب آليات لإشراك الأسر في الحياة المدرسية، معتبرة أن المشروع لم يهتم بالبعد الاجتماعي والمستقبلي للمدرسة كفضاء للإدماج، “فالمدرسة ليست فضاء لتحقيق النظام والانضباط فقط، فالقوانين على أهميتها ليست سوى الخطوة الأولى نحو بلوغ مدرسة جيدة بأبعادها المعرفية والإنسانية والبيداغوجية”.
وأوضحت السلاسي أن تعديلات الفريق انصبت على ضمان المجانية، وتحديد دور الدولة وحدود تدخل الجماعات والقطاع الخاص وضوابطه، معبرة عن أملها في الوصول إلى توافق حول مشروع القانون بوصفه إحدى اللبنات الأساسية لإصلاح المنظومة التربوية، مستشهدة بخطاب جلالة الملك لسنة 2014 الذي أكد فيه أن قضية التعليم “يجب أن تكون موضوع إجماع وطني يتجاوز الاعتبارات الحكومية والسياسية”، وأن إصلاح التعليم “إصلاح للعقل المغربي” يتطلب تغيير العقليات قبل تغيير البرامج.
وختمت السلاسي مداخلتها بانتقاد طريقة تعامل الحكومة مع التعديلات المقترحة، معتبرة أن “التعامل معها كان نمطياً ميكانيكياً قام على الرفض المبدئي”، بما يكرس غياب المقاربة النقدية ومبدأ المشاركة والمسؤولية الضروريين لإنجاح الإصلاح.









تعليقات
0