في كل مرة تهتز فيها مشاعر المغاربة أمام جريمة جديدة أو مشهد عنف صادم.. تتجه الأنظار نحو المؤسسة الامنية باعتبارها الجهة المكلفة بحفظ النظام العام وحماية المواطنين غير ان القراءة الموضوعية لما يجري اليوم تفرض طرح سؤال اعمق هل نحن امام ازمة امنية فقط، ام امام نتائج طبيعية لاختلالات اجتماعية واقتصادية وسياسات عمومية لم تنجح في مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي قبل ايام، تابع المغاربة بقلوب يعتصرها الالم شابا يركض هاربا من الموت وهو يصرخ “راني خدام على أمي” لم تكن تلك الكلمات مجرد استغاثة في لحظة خوف،بل كانت صرخة جيل باكمله.. جيل يحمل مسؤولية اسره فوق كتفيه.. ويكافح يوميا من اجل لقمة العيش والكرامة، لكنه يجد نفسه احيانا في مواجهة العنف بدل الامل.
ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة التي هزت الراي العام. فقد اهتز المغاربة ايضا امام خبر مقتل شاب كان يشتغل عبر تطبيق “اندرايف” من اجل اعالة اسرته الصغيرة. خرج باحثا عن رزقه كما يفعل الاف الشباب المغاربة كل يوم، لكنه لم يعد الى منزله. عاد خبرا مؤلما ترك وراءه زوجة ارملة وابنة صغيرة ستكبر وهي تحمل في ذاكرتها فراغا لن يملأه شيء.. انها ليست مجرد جريمة قتل.. بل مأساة انسانية كاملة تختزل معاناة فئة واسعة من الشباب الذين لا يطلبون سوى فرصة شريفة للعيش الكريم.
كما تجددت مشاعر القلق والغضب مع الحادثة المؤلمة التي شهدها حي مولاي رشيد بمدينة الدار البيضاء حيث خرج امام مسجد الى الراي العام ليروي تفاصيل الاعتداء الخطير الذي تعرض له رفقة ابنته. فالرجل الذي اعتاد ان يكون صوتا للتوجيه والاصلاح وجد نفسه ضحية للعنف. وقد اثارت هذه الواقعة استنكارا واسعا لانها مست شخصا يمثل رمزا دينيا واجتماعيا يحظى بالاحترام داخل محيطه، واعادت الى الواجهة اسئلة مقلقة حول تنامي بعض مظاهر العنف التي لم تعد تستثني احدا.
كما ان الوقائع الصادمة التي شهدتها مدن مختلفة.. من احداث العنف التي اثارت الراي العام ببني ملال وغيرها،الى الجدل الكبير الذي رافق العثور على جثة متحللة بمدينة ابن احمد، كلها احداث تطرح اسئلة حقيقية حول التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي وحول تنامي الشعور الجماعي بالخوف والقلق.
لكن الانصاف يقتضي التأكيد على ان المؤسسة الامنية لا يمكن ان تتحمل وحدها مسؤولية هذا الواقع. فكل يوم يخرج رجال ونساء الامن الى عملهم تاركين خلفهم اسرهم التي تنتظر عودتهم سالمين. وكما يخاف المواطن على نفسه من الجريمة، فان رجل الامن يضع نفسه في مواجهتها بشكل مباشر. وقد قدمت الاسرة الامنية عبر السنوات تضحيات جسيمة، وسقط شهداء للواجب المهني اثناء تدخلاتهم لحماية المواطنين وتطبيق القانون.
لذلك فان اختزال النقاش في تحميل المسؤولية للاجهزة الامنية وحدها يعتبر تبسيطا لمشكلة اكثر تعقيدا. فرجل الامن يتدخل عندما تقع الجريمة او عندما يهدد الخطر سلامة المواطنين، لكنه لا يضع السياسات التعليمية.. ولا يصنع فرص الشغل.. ولا يدير البرامج الثقافية والتربوية.. ولا يعالج اسباب التهميش والهشاشة الاجتماعية..
ان الامن في مفهومه الحديث ليس مجرد دوريات امنية او حملات توقيف، بل هو نتيجة منظومة متكاملة تبدأ من الاسرة والمدرسة ولا تنتهي عند المؤسسات الامنية والقضائية. فحين تتراجع ادوار التأطير والتربية.. وحين يشعر جزء من الشباب بان المستقبل يضيق امامه.. وحين تتسع الفوارق الاجتماعية وتزداد مظاهر الهشاشة.. يصبح المجتمع اكثر عرضة لانتاج العنف والانحراف والجريمة..
لقد وعدت الحكومة الحالية الشباب بافاق جديدة وفرص اوسع واقلاع اقتصادي ينعكس على حياتهم اليومية.. لكن الواقع يكشف ان جزءا مهما من الشباب ما يزال يواجه البطالة وصعوبة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي.. وما تزال العديد من المؤسسات الموجهة للتأطير الثقافي والرياضي والتربوي تعاني من ضعف الامكانيات مقارنة بحجم التحديات المطروحة..
ان اخطر ما في هذه الوقائع المتتالية ليس عددها فقط،بل انها بدأت تتحول الى اخبار متكررة في الحياة اليومية للمغاربة. وعندما يصبح الخوف من الجريمة جزءا من النقاش اليومي داخل الاسر، فان ذلك يستوجب وقفة حقيقية لمراجعة السياسات العمومية المرتبطة بالشباب والتعليم والثقافة والادماج الاجتماعي.
فبين صرخة شاب كان يردد “راني خدام على أمي”، وطفلة ستكبر وهي تتساءل لماذا لم يعد والدها الذي خرج للعمل عبر “اندرايف” وامام مسجد تعرض للاعتداء امام انظار ابنته، وبين اسر تنتظر ابناءها العاملين او رجال الامن ان يعودوا سالمين الى بيوتهم.. تتجسد صورة مؤلمة لمغرب يحتاج اليوم الى اكثر من المقاربات الظرفية وردود الفعل الآنية..
المغاربة لا يطالبون بالمستحيل.. انهم يريدون فقط ان يشعروا بالامان في شوارعهم واحيائهم.. وان يطمئنوا على ابنائهم وهم يغادرون منازلهم للعمل او الدراسة.. وان يثقوا بان مستقبلهم سيكون افضل من حاضرهم.. فالشعور بالامن ليس رفاهية، بل حق اساسي من حقوق المواطنة.
ان الامن الحقيقي لا يبنى فقط في مراكز الشرطة والمحاكم، بل يبنى ايضا في المدارس والجامعات ومراكز التكوين ودور الشباب والملاعب وفرص الشغل. يبنى عندما يشعر المواطن ان له مكانا داخل وطنه ومستقبلا يستحق ان يناضل من اجله..
واليوم اكثر من اي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة الى مراجعة عميقة للسياسات العمومية الموجهة للشباب والطبقات الهشة، لان الاوطان لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات والارقام والمؤشرات، بل بقدرتها على حماية الانسان وصون كرامته وفتح ابواب الامل امامه.
فالمجتمع الذي يفقد الامل، يفقد معه جزءا من امنه واستقراره، مهما بلغت قوة المقاربات الزجرية او فعالية التدخلات الامنية. والمغرب الذي نريده جميعا هو مغرب الامل والكرامة والعدالة الاجتماعية، لا مغرب الخوف والقلق وانتظار الخبر الحزين القادم…
بين المغرب الذي نريده… والمغرب الذي نعيشه









تعليقات
0