لاتتركوا رجال الأمن وحدهم في مواجهة خطر تجارة بهذا الحجم …

لاتتركوا رجال الأمن وحدهم في مواجهة خطر تجارة بهذا الحجم …
لاتتركوا رجال الأمن وحدهم في مواجهة خطر تجارة بهذا الحجم …
محمد رامي الخميس 18 يونيو 2026 - 22:00 l عدد الزيارات : 3540

المفرقعات التي تنفجر في أزقة الأحياء لم تُصنع في تلك الأزقة، ولم تخرج من جيوب الأطفال، ولم تظهر فجأة ليلة عاشوراء. هذه بضاعة دخلت من الخارج، عبرت مسالك، وجدت من يخزنها، ومن يوزعها، ومن يبيعها بالجملة، ثم وصلت إلى البائع الصغير الذي يسقط في النهاية في يد الأمن، كأنه وحده صاحب الحكاية كلها.

حين تعلن المصالح الأمنية حجز 86 ألفا و711 وحدة من المفرقعات والشهب النارية في يوم واحد، بين سلا والدار البيضاء، وتوقيف خمسة أشخاص في عمليات منفصلة، فهذا عمل أمني مهم لا يحتاج إلى مجاملة. لكن الأهم من البلاغ الأمني هو ما يكشفه الرقم نفسه.
نحن لا نتحدث عن بضعة أطفال اشتروا مفرقعات من زاوية شارع. نحن أمام سوق موسمية، منظمة، تعرف موعد اشتغالها، وتعرف زبناءها، وتعرف مسالكها، وتعرف كذلك أن الخطر لا يوقفها إلا عندما تصل يد الأمن إلى آخر حلقاتها.

من يخشى عودة لاسامير؟ “الشناقة وأصحاب اللعاقة” يجهزون على القدرة الشرائية للمغاربة
اقرأ المزيد

المعطيات المنشورة منذ بداية سنة 2026 تكشف أن المحجوزات المعلنة تجاوزت، في عمليات متفرقة فقط، عتبة مليوني وحدة، دون احتساب ما لم يعلن عنه وما أفلت من الحجز. هذا الرقم وحده كاف لإسقاط كل خطاب التهوين. مليونا وحدة ليست “لعب دراري”. مليونا وحدة تعني توريدا، وتخزينا، وتوزيعا، وطلبا، وربحا، وسوقا يعرف كيف يشتغل في الظل قبل أن ينفجر في العلن.

المعطيات الواردة من درب عمر تفيد بأنه بالرغم من الحملات الأمنية التي تشهدها المنطقة وحملات التوقيف إلا أن هناك شيء ما لا نريد الغوص فيه لأن السلع معروضة للبيع وأحياء المدينة شاهدة على ذلك…

السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: كم حجزت الشرطة؟ السؤال الحقيقي هو: كيف دخلت هذه الكميات أصلا؟ ومن سمح لها بأن تقطع الطريق من الخارج إلى المخازن، ومن المخازن إلى تجار الجملة، ومن الجملة إلى الأزقة؟ ولماذا لا تظهر في الواجهة إلا الحلقة الأخيرة، أي ذلك البائع الصغير الذي يبيع الخطر بالتقسيط، بينما تبقى الحلقات الأكبر بعيدة عن الضوء؟

لا أحد يطلب من الأمن أن يقوم بأقل من واجبه. لكن لا يحق لأحد أن يترك الأمن وحده في مواجهة تجارة بهذا الحجم، ثم يصفق عند كل حجز كبير كأن المشكلة انتهت. كل حجز كبير هو نجاح أمني، نعم، لكنه في الوقت نفسه شهادة على أن النار وصلت إلى مرحلة متقدمة قبل أن يبدأ الإطفاء. والوقاية الحقيقية لا تبدأ من الزنقة، بل من حيث تدخل البضاعة، وحيث تخزن، وحيث توزع، وحيث يعرف الناس، والسلطة، والأسواق، من يتحكم في خطوط الجملة.

لا يمكن تحويل الشرطة إلى المطفئ الوحيد لحريق ساهمت حلقات كثيرة، بصمت أو تقصير، في إشعاله.

هذه الجملة ليست اتهاما مجانيا لأحد، لكنها سؤال مسؤول موجه إلى الجميع. إلى من يراقب الحدود والمعابر والموانئ. إلى من يعرف حركة الأسواق الموسمية. إلى من تقع تحت عينه مستودعات الأحياء والهوامش. إلى من يعرف أن بعض الأسماء تتحرك كل سنة مع موسم المفرقعات كما يتحرك تجار المناسبات. إلى من يكتفي بانتظار البلاغ الأمني بدل أن يسأل: أين كانت باقي العيون قبل أن تصل المفرقعات إلى أيدي الأطفال؟

السلطة التي تعرف تفاصيل البناء العشوائي، وتعرف من يبيع على الرصيف، وتعرف من يضيف مترا إلى محل تجاري، لا يصح أن تعجز عن التقاط رواج موسمي للمفرقعات يعرفه الأطفال قبل الكبار. هنا لا نتحدث عن إبرة في كومة قش، بل عن تجارة تسبقها طلبيات، وتتبعها عمليات نقل، وترافقها مخازن، وتنتهي بضجيج يسمعه الحي كله.

الأمن يمسك بمن يبيع في الشارع. هذا ضروري. لكنه لا يكفي. لأن البائع الصغير لا يغرق السوق وحده. لا يملك القدرة على إدخال آلاف الوحدات. لا يملك مخازن كبرى. لا يصنع شبكة توزيع. هو واجهة رخيصة لسلسلة أغلى وأخطر. وحين تظل الضربات مركزة على الواجهة، يبقى السوق قادرا على تجديد نفسه كل سنة، بالوجوه نفسها أو بوجوه بديلة.

المجتمع نفسه ليس خارج السؤال. الأسرة التي تعطي المال وتغض الطرف، والحي الذي يعرف البائع ويسكت، والمدرسة التي لا تحذر بما يكفي، والإعلام الذي لا يفتح النقاش إلا بعد الحوادث، كلهم جزء من هذا الحريق. لكن الفرق واضح: الطفل لا يصنع السوق، والبائع الصغير لا يفتح الحدود، والأسرة لا تدخل الحاويات. لذلك يجب ترتيب المسؤوليات من الأعلى إلى الأسفل، لا من الأضعف إلى الأقوى.

القضية ليست في أن الشرطة قامت بعملها. القضية في أن عمل الشرطة جاء بعد أن عبرت المفرقعات كل تلك المسافة. وهذا ما يجب أن يقلقنا. لأن أخطر ما في المفرقعات ليس صوت الانفجار، بل الصمت الذي يسبق الانفجار. صمت يسمح بدخول البضاعة. صمت يسمح بتخزينها. صمت يسمح بتوزيعها. صمت يسمح بتغذية سوق يعرف الجميع موعده، ثم نتصرف في كل مرة كما لو أننا فوجئنا به.

إذا كانت المحجوزات المعلنة منذ بداية السنة تجاوزت مليوني وحدة، فإن السؤال لم يعد أمنيا فقط. إنه سؤال رقابة، وسؤال تراب، وسؤال مسؤولية، وسؤال دولة. دولة لا تترك شرطتها وحدها في آخر الخط، ثم تطلب منها أن تعالج ما كان يجب منعه من البداية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

واردات الغازوال والبنزين بالمغرب تتجاوز 47 مليار درهم خلال سنة 2025…
الخميس 18 يونيو 2026 - 22:53

واردات الغازوال والبنزين بالمغرب تتجاوز 47 مليار درهم خلال سنة 2025…

حركة بدائل مواطنة تطلق مشروعها لتعزيز قدرات وأدوار المجتمع المدني في الدفاع عن الحقوق والحريات
الخميس 18 يونيو 2026 - 22:45

حركة بدائل مواطنة تطلق مشروعها لتعزيز قدرات وأدوار المجتمع المدني في الدفاع عن الحقوق والحريات

سويسرا تضرب بقوة وجنوب إفريقيا تنتزع تعادلا أمام تشيكيا في افتتاح الجولة الثانية .. تحليل رياضي
الخميس 18 يونيو 2026 - 22:30

سويسرا تضرب بقوة وجنوب إفريقيا تنتزع تعادلا أمام تشيكيا في افتتاح الجولة الثانية .. تحليل رياضي

وسيط المملكة يفتتح المقر الجديد للمندوبية الجهوية للمؤسسة بجهة مراكش-آسفي
الخميس 18 يونيو 2026 - 22:15

وسيط المملكة يفتتح المقر الجديد للمندوبية الجهوية للمؤسسة بجهة مراكش-آسفي

corner image
error: