دخلت الجولة الثانية من دور المجموعات لكأس العالم 2026 على وقع فوز عريض للمنتخب السويسري على البوسنة والهرسك بأربعة أهداف مقابل هدف واحد، في مباراة أكدت فيها سويسرا رغبتها في تصحيح المسار وتعزيز حظوظها في بلوغ الدور المقبل.
وفي المجموعة الأولى، عاد منتخب جنوب إفريقيا بنقطة ثمينة بعد تعادله مع تشيكيا بهدف لمثله، في نتيجة أبقت حسابات المجموعة مفتوحة قبل استكمال باقي مباريات الجولة، خصوصا المواجهة المرتقبة بين المكسيك وكوريا الجنوبية.
وبهذا الانتصار، رفعت سويسرا رصيدها إلى أربع نقاط، بعد تعادلها في الجولة الأولى مع قطر، بينما بقيت البوسنة والهرسك عند نقطة واحدة. أما جنوب إفريقيا فحصدت أول نقطة لها في البطولة، مقابل استمرار تشيكيا في البحث عن فوزها الأول.
تحليل رياضي.. الجولة الثانية تبدأ بفرز الجاهزين والمترددين
لم تكن مباراة تشيكيا وجنوب إفريقيا عالية الجودة من الناحية الفنية، لكنها كانت كاشفة من الناحية التنافسية. المنتخب التشيكي بدأ كما ينبغي أن يبدأ فريق يبحث عن تصحيح مساره: ضغط مبكر، هدف سريع، ومحاولة لاستغلال ارتباك جنوب إفريقيا في الدقائق الأولى. غير أن مشكلته الكبرى ظهرت مباشرة بعد التقدم؛ فقد تعامل مع الهدف وكأنه نهاية للمباراة، لا بدايتها الفعلية.
تشيكيا امتلكت فرصة قتل اللقاء، لكنها لم تفعل. راهنت على الكرات المباشرة، وعلى التفوق البدني، وعلى حضور لاعبيها في الكرات العالية، لكنها افتقدت اللمسة التي تحوّل السيطرة إلى حسم. ومع مرور الوقت، تراجع منسوب المبادرة لديها، وبدأت تدير المباراة بحسابات الخوف من الخطأ، بدل البحث عن الهدف الثاني. لذلك بدا التعادل في النهاية عقابا منطقيا لفريق تقدم مبكرا ولم يعرف كيف يحافظ على تفوقه بطريقة هجومية.
في المقابل، لم تقدم جنوب إفريقيا مباراة كبيرة، لكنها ربحت ما هو أهم في مثل هذه المباريات: البقاء داخل المنافسة. الفريق دخل اللقاء بارتباك واضح، وترك لتشيكيا المبادرة في البداية، ثم احتاج إلى وقت طويل حتى يجد إيقاعه. غير أن تحسن وسط الميدان، وارتفاع حضور موكوينا، منح المنتخب الجنوب إفريقي القدرة على العودة تدريجيا، قبل أن يحصل على ركلة الجزاء التي أعادته إلى المباراة.
التعادل لا يخدم الطرفين كثيرا، لكنه يخدم جنوب إفريقيا نفسيا أكثر مما يخدم تشيكيا. فالأولى انتزعت نقطة بعد تأخر وبعد خسارة في الجولة الأولى، بينما الثانية أضاعت فرصة حقيقية للعودة بقوة إلى حسابات المجموعة. وبذلك سيدخل المنتخبان الجولة الثالثة تحت الضغط: تشيكيا مطالبة بالفوز على المكسيك، وجنوب إفريقيا مطالبة بنتيجة قوية أمام كوريا الجنوبية.
أما مباراة سويسرا والبوسنة والهرسك فقد حملت ملامح مختلفة تماما. فوز سويسرا العريض بأربعة أهداف مقابل هدف واحد لا يعكس فقط تفوقا في النتيجة، بل يكشف أيضا فارقا واضحا في النضج التكتيكي وإدارة لحظات المباراة. المنتخب السويسري لم يدخل اللقاء بمنطق الاستعراض، بل بمنطق الفعالية: تنظيم، صبر، ضغط محسوب، ثم ضربات متتالية عندما فتحت المباراة أبوابها.
قوة سويسرا ظهرت في قدرتها على التحكم في النسق. لم تنجرف إلى لعب مفتوح يمنح البوسنة فرصة استثمار التحولات، ولم تترك المباراة تتحول إلى صراع بدني طويل. اختارت التدرج في البناء، توسيع اللعب، إجبار دفاع البوسنة على التحرك أفقيا، ثم استغلال المساحات التي بدأت تظهر مع تراجع التركيز البدني والذهني للخصم.
البوسنة، في المقابل، بدت أقل قدرة على مقاومة الضغط حين ارتفع إيقاع المباراة. صحيح أنها تملك عناصر قادرة على الإزعاج، وتجربة هجومية ممثلة في حضور دجيكو، لكنها عانت في الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ولم تستطع تحويل فترات الصمود إلى تهديد مستمر. ومع اتساع الفارق، انكشفت محدودية الحلول، وظهر أن المنتخب البوسني لم يكن مستعدا لمجاراة سويسرا على مستوى السرعة والتنظيم في الثلث الأخير.
النتيجة السويسرية تحمل رسالة قوية داخل المجموعة الثانية. فبعد تعادل الجولة الأولى، احتاجت سويسرا إلى فوز يعيد لها المبادرة، فجاء الرد كبيرا ومقنعا. أما البوسنة، فقد انتقلت من وضع مريح نسبيا بعد التعادل الأول إلى وضع أكثر تعقيدا، لأنها لم تخسر فقط ثلاث نقاط، بل تلقت ضربة قاسية في فارق الأهداف وفي الثقة الجماعية قبل الجولة الحاسمة.
الخلاصة أن المباراة الأولى كشفت منتخبين ما زالا يلعبان تحت ضغط الخوف من الخسارة، بينما أظهرت المباراة الثانية منتخبا سويسريا يعرف كيف يحول التعادل السابق إلى رد فعل قوي. الجولة الثانية لم تحسم كل شيء، لكنها بدأت ترسم الحدود بين من يملك شخصية التأهل، ومن ينتظر الجولة الثالثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.










تعليقات
0