أظهرت بيانات نشرها معهد “كارلوس الثالث” الصحي في مدريد أن ما لا يقل عن 212 حالة وفاة سُجلت في إسبانيا بين يومي الأحد والأربعاء يمكن ربطها بموجة الحر التي تجتاح البلاد، في مؤشر جديد على الكلفة الصحية المتصاعدة للارتفاع القياسي في درجات الحرارة بجنوب أوروبا.
وتستند هذه الحصيلة إلى نظام وطني لمراقبة الوفيات اليومية، يعتمد على مقارنة عدد الوفيات المسجلة فعليا بما كان متوقعا تسجيله استنادا إلى المعطيات التاريخية. وبذلك لا يتعلق الأمر، بالضرورة، بحالات وفاة تم إثبات سببها طبيا بشكل فردي، بل بتقديرات إحصائية تربط بين الزيادة في الوفيات وبين الظروف المناخية القاسية، وفي مقدمتها الحرارة المفرطة.
وتضع هذه الأرقام إسبانيا مجددا أمام تحدي موجات الحر التي باتت أكثر تواترا وحدة، خصوصا خلال فترات الصيف المبكر، حيث تتعرض فئات واسعة من السكان لمخاطر صحية مباشرة، وفي مقدمتها المسنون، والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة، والعاملون في الفضاءات المفتوحة، إضافة إلى الفئات الهشة التي لا تتوفر على وسائل كافية للتبريد أو الرعاية.
وتزداد خطورة موجات الحر عندما تستمر درجات الحرارة المرتفعة لعدة أيام متتالية، خاصة إذا لم تنخفض الحرارة بما يكفي خلال الليل، لأن ذلك يحرم الجسم من فرصة التعافي من الإجهاد الحراري. كما يمكن أن تؤدي هذه الظروف إلى مضاعفات صحية خطيرة، من بينها الجفاف، وضربات الشمس، وتفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي والكلى.
وتأتي هذه الحصيلة في سياق موجة حر واسعة تضرب عددا من البلدان الأوروبية، وسط تحذيرات متزايدة من تأثيرات الحرارة القصوى على الصحة العامة والبنيات الحيوية والخدمات الاجتماعية. وتلجأ السلطات في مثل هذه الحالات إلى تفعيل خطط الطوارئ، من خلال إصدار الإنذارات المناخية، ودعوة السكان إلى تجنب التعرض المباشر للشمس في ساعات الذروة، وشرب الماء بانتظام، وتفقد أوضاع كبار السن والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم.
وتبرز الحالة الإسبانية، مرة أخرى، أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت إلى تحد صحي واجتماعي يتطلب أنظمة إنذار مبكر أكثر فعالية، وتدابير وقائية داخل المدن، وتحسين الولوج إلى فضاءات التبريد، فضلا عن تكييف شروط العمل والنقل والخدمات العمومية مع فترات الحرارة الشديدة.
وتشير البيانات المنشورة إلى أن الخطر لا يقاس فقط بدرجات الحرارة القصوى المسجلة في محطات الأرصاد، بل كذلك بعدد الأيام المتتالية من الحرارة، وبمدى هشاشة الفئات المعرضة، وبقدرة المنظومة الصحية والاجتماعية على التدخل المبكر. ولذلك، فإن حصيلة 212 وفاة محتملة خلال أربعة أيام تعكس حجم الضغط الذي يمكن أن تفرضه موجة حر قصيرة نسبيا عندما تتزامن مع ظروف مناخية قاسية وفئات سكانية أكثر عرضة للخطر.
وتؤكد السلطات الصحية، في مثل هذه الظروف، أهمية الانتباه إلى العلامات الأولى للإجهاد الحراري، مثل الدوار، والصداع، والتعب الشديد، والتعرق المفرط أو توقف التعرق، وارتفاع حرارة الجسم، مع ضرورة طلب المساعدة الطبية عند ظهور أعراض خطيرة، خصوصا لدى كبار السن والمرضى والأطفال.
وتعيد هذه التطورات النقاش في أوروبا حول ضرورة التعامل مع موجات الحر بوصفها خطرا صحيا عاما، لا يقل أهمية عن باقي الكوارث الطبيعية، خاصة في ظل تزايد المؤشرات على أن القارة الأوروبية باتت أكثر عرضة لفترات حرارة مبكرة وطويلة وشديدة التأثير.










تعليقات
0