تتحول علاقات الزمالة التي جمعت عددا من لاعبي المنتخب المغربي بنظرائهم الهولنديين في الملاعب الأوروبية إلى خصومة كروية شريفة، مساء الإثنين/ صباح الثلاتاء بالتوقيت المغربي، على ملعب مونتيري بالمكسيك، حين يلتقي “أسود الأطلس” منتخب هولندا في واحدة من أقوى مباريات دور الـ32 من كأس العالم 2026.
المواجهة تحمل داخلها طبقات متعددة من الحكايات: زمالات قديمة في الأندية، صراع كروي بين مدرستين، حضور قوي للجالية المغربية في هولندا، وثأر رياضي يعود إلى مونديال 1994، حين خسر المغرب أمام “الطواحين” بهدفين مقابل هدف واحد في دور المجموعات.
في قلب هذه القصة يقف إسماعيل صيباري، هداف المنتخب المغربي في النسخة الحالية بثلاثة أهداف، والذي توج قبل أسابيع قليلة بكأس الدوري الهولندي مع أيندهوفن إلى جانب مواطنه أنس صلاح الدين، في فريق يضم أيضا لاعبا هولنديا بارزا هو خوس تيل. واليوم، تتحول لحظة التتويج المشتركة إلى مواجهة مباشرة داخل الملعب، حيث لا مكان للعواطف إلا بعد صافرة النهاية.
وتتكرر الصورة مع نصير مزراوي، الظهير الأيسر لمانشستر يونايتد، الذي جاور لسنوات صانع ألعاب برشلونة فرنكي دي يونغ ولاعب وسط ليفربول راين خرافنبرخ في أياكس أمستردام، كما لعب مع الأخير في بايرن ميونيخ. أما القائد أشرف حكيمي، فقد زامل المهاجم الهولندي دونييل مالين في بوروسيا دورتموند، فيما سبق لسفيان أمرابط أن لعب إلى جانب نواه لانغ في بروج البلجيكي.
لكن حكيمي اختصر المعنى الحقيقي لمباريات خروج المغلوب بقوله إنه “لا توجد صداقات داخل الملعب”، رغم احترامه لزملاء الأمس. فالمونديال لا يمنح مساحة كبيرة للمشاعر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمباراة فاصلة لا تقبل أنصاف الحلول.
أما صيباري، فقد تحدث بعد الفوز على هايتي عن احتمال مواجهة زملائه الهولنديين بنبرة ودية، معتبرا الأمر “لطيفا”، قبل أن يؤكد أن التركيز سيكون على تعليمات المدرب والخطة التكتيكية. وبدوره، وصف أنس صلاح الدين المباراة بأنها “رائعة”، لأنها ستجمعه بأفضل أصدقائه، قبل أن يضيف أن شعوره تجاه المنتخب المغربي لا يقل قوة، في إشارة إلى أن الانتماء الوطني سيكون حاسما عند دخول الملعب.
ولم تكن قرعة مونديال 2026 رحيمة بالمغرب. فبعد افتتاح ناري أمام البرازيل في المجموعة الثالثة، حيث تعادل “أسود الأطلس” بهدف لمثله، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام قمة جديدة مبكرة في الدور الثاني أمام هولندا، متصدرة المجموعة السادسة بسبع نقاط. وهي مواجهة تليق بطموح منتخبين يرفضان الاكتفاء بمجرد العبور إلى دور الـ32.
وتكتسي المباراة بعدا خاصا أيضا لأنها تأتي في سياق تنافس طويل على المواهب ذات الأصول المغربية في هولندا. فقد اختار عدد مهم من اللاعبين تمثيل بلد الجذور بدل بلد النشأة، وفي مقدمتهم مزراوي، وهو ما يمنح اللقاء بعدا إضافيا يتجاوز الحسابات الفنية البحتة إلى سؤال الهوية والانتماء الكروي.
وقال فرنكي دي يونغ، زميل مزراوي السابق، إن مواجهة المغرب ستكون “صعبة للغاية”، مشيدا بتماسك المنتخب المغربي وجودة لاعبيه وخبرتهم. وأكد أنه تابع مباراة المغرب ضد البرازيل وخرج بانطباع قوي عن “أسود الأطلس”، مذكرا بأن المنتخب المغربي بلغ نصف نهائي النسخة الماضية ويضم عددا من اللاعبين الممتازين.
ولا يمكن عزل هذه المواجهة عن الحضور المغربي الكثيف في هولندا، خصوصا في أمستردام، حيث تعيش جالية مغربية كبيرة، ما يجعل مباراة المغرب وهولندا أقرب إلى “ديربي هولندي مغربي” يتابعه جمهور واسع على ضفتي الانتماء، بين بلد النشأة وبلد الأصل.
من جانبه، اعترف قائد المنتخب الهولندي فيرجيل فان دايك بقوة المنتخب المغربي، معتبرا أن “أسود الأطلس” يملكون نقاط قوة واضحة، كما يملكون نقاط ضعف، تماما مثل هولندا. أما المدرب رونالد كومان، فقد كشف أن مواجهة المغرب كانت حاضرة في ذهنه حتى خلال مباراة تونس، قائلا إنه حاول التركيز بنسبة كاملة على “نسور قرطاج”، لكنه كان يفكر باستمرار في الخصم المقبل.
ويبدو كومان مدركا لحجم التهديد المغربي، خصوصا عبر أشرف حكيمي، الذي وصفه بأنه “النجم الأساسي والظهير الأيمن الممتاز”، مؤكدا ضرورة الاستعداد جيدا لمواجهته. كما أشار إلى أن مشكل هولندا لا يرتبط فقط بقوة المغرب، بل أيضا بتراجع منتخب بلاده في بعض فترات المباريات، سواء في الاستحواذ أو المرتدات، وهو ما قد يكلف “الطواحين” كثيرا أمام منتخب سريع وفعال.
بالنسبة للمغرب، تحمل المواجهة أيضا طابعا ثأريا من الناحية التاريخية، إذ سبق أن خسر أمام هولندا في مونديال 1994 بالولايات المتحدة. لكن منتخب اليوم يختلف كثيرا عن منتخب الأمس. فهو يدخل المباراة محملا بإرث مونديال قطر 2022، حيث بلغ نصف النهائي، وبطموح معلن من مدربه محمد وهبي للذهاب أبعد من ذلك.
وقد قال وهبي بعد الفوز على هايتي إن المغرب دخل “مرحلة جديدة”، هي مرحلة الإيمان بالنفس، مضيفا أن اللاعبين يؤمنون، والجمهور يؤمن، والخصوم باتوا يحترمون المغرب. وهي عبارة تختصر التحول العميق في صورة المنتخب الوطني، من منتخب يبحث عن المفاجأة إلى منتخب يعلن رغبته في المنافسة على اللقب.
ولذلك تبدو مباراة هولندا أكثر من اختبار تكتيكي. إنها اختبار لشخصية المغرب الجديدة، وقدرته على تحويل الاحترام الدولي إلى نتائج في مباريات الإقصاء المباشر. كما أنها اختبار لمدى قدرة الجيل الحالي على التعامل مع الضغط، ومع خصم يملك تاريخا كبيرا في كأس العالم، رغم أنه لم ينجح بعد في التتويج باللقب، بعد خسارته ثلاث نهائيات في تاريخه.
بين زمالة الأمس وخصومة الإثنين، وبين “الديربي” الهولندي المغربي ورهان العبور إلى ثمن النهائي، تدخل قمة مونتيري بكثير من العناوين الثقيلة. المغرب يريد تأكيد أنه لم يعد مفاجأة عابرة، وهولندا تريد إثبات أنها قادرة على استعادة بريقها العالمي. وفي مباراة لا تعترف إلا بالتفاصيل، قد تكون الصداقة مؤجلة، أما الحسم فسيكون فوق العشب.










تعليقات
0