كشفت معطيات بنك المغرب، ضمن لوحة القيادة الخاصة بالقروض والودائع البنكية لشهر أبريل 2026، عن تحركات لافتة في أسعار الفائدة، سواء على مستوى القروض الجديدة الموجهة للمقاولات والأسر، أو على مستوى عوائد بعض أصناف الودائع البنكية.
وتفيد المعطيات بأن متوسط أسعار الفائدة المطبقة على القروض الجديدة للمقاولات الخاصة تراجع، خلال الفصل الأول من سنة 2026، إلى 4,79 في المائة، مقابل 4,94 في المائة خلال الفصل الرابع من سنة 2025. ويعني ذلك انخفاضا فصليا قدره 15 نقطة أساس، في مؤشر يعكس تراجعا نسبيا في كلفة التمويل البنكي الموجه إلى النسيج المقاولاتي.
ويكتسي هذا التراجع أهمية خاصة بالنسبة للمقاولات، لأنه يأتي في سياق اقتصادي يحتاج فيه الاستثمار إلى شروط تمويل أكثر مرونة. فكل انخفاض في كلفة القرض يمكن أن يساعد المقاولات على توسيع مشاريعها، أو تمويل حاجياتها من التجهيز والخزينة، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة التي تظل أكثر حساسية تجاه تغيرات أسعار الفائدة.
وحسب بنك المغرب، بلغ متوسط الفائدة على القروض الجديدة الموجهة إلى المقاولات الكبرى 4,55 في المائة خلال الفصل الأول من 2026، مقابل 5,20 في المائة بالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة. ويكشف هذا الفارق استمرار تفاوت كلفة التمويل حسب حجم المقاولة وقدرتها التفاوضية ومستوى المخاطر المرتبطة بها.
ويبرز هذا المعطى أن تراجع متوسط الفائدة لا يستفيد منه جميع الفاعلين الاقتصاديين بنفس الدرجة. فالمقاولات الكبرى تظل في موقع أفضل عند التفاوض مع البنوك، بينما تتحمل المقاولات الصغرى والمتوسطة كلفة أعلى، رغم دورها المركزي في التشغيل وتحريك النشاط الاقتصادي.
أما على مستوى الأسر، فقد بلغت أسعار الفائدة المطبقة على القروض الجديدة، خلال الفصل الأول من سنة 2026، 4,66 في المائة بالنسبة لقروض السكن، مقابل 6,86 في المائة بالنسبة لقروض الاستهلاك. ويعكس هذا الفارق طبيعة كل صنف من التمويل، إذ ترتبط قروض السكن غالبا بضمانات عقارية وآجال طويلة، بينما تحمل قروض الاستهلاك مخاطر أكبر وآجالا أقصر.
وتحافظ قروض السكن بذلك على كلفة تمويل أقل نسبيا مقارنة بقروض الاستهلاك، ما يفسر استمرار توجه الأسر نحو القرض العقاري كوسيلة رئيسية لاقتناء السكن. غير أن قروض الاستهلاك، رغم ارتفاع كلفتها، تواصل جذب الأسر، في ظل ضغط النفقات اليومية والحاجة إلى تمويل مصاريف ظرفية أو تجهيزات أساسية.
وفي المقابل، سجلت عوائد الودائع لأجل ارتفاعا ملحوظا، خاصة بالنسبة للودائع لمدة ستة أشهر، التي بلغ معدل rémunération الخاص بها 2,81 في المائة متم أبريل 2026، مقابل 2,21 في المائة في مارس، أي بزيادة قدرها 60 نقطة أساس. كما بلغ عائد الودائع لأجل 12 شهرا 2,78 في المائة، بارتفاع طفيف قدره 5 نقاط أساس.
ويعني هذا التطور أن البنوك أصبحت تمنح عائدا أعلى لبعض أصناف الادخار، خصوصا الودائع لأجل القصير. وقد يشجع ذلك بعض المدخرين على تحويل جزء من أموالهم من الحسابات الجارية أو الحسابات ذات العائد الضعيف نحو الودائع لأجل، بحثا عن مردودية أفضل.
غير أن ارتفاع عوائد الودائع لا يلغي محدودية العائد الحقيقي بالنسبة للمدخرين، خاصة عندما تقارن هذه النسب بتطور الأسعار وكلفة المعيشة. فالادخار البنكي يظل آمنا ومنخفض المخاطر، لكنه لا يوفر بالضرورة حماية كاملة للقيمة الشرائية للمدخرات.
وتكشف هذه المؤشرات عن معادلة مالية دقيقة داخل السوق البنكية: من جهة، تراجع نسبي في كلفة تمويل المقاولات، ومن جهة أخرى ارتفاع في عائد بعض الودائع لأجل. وبينهما، تظل الأسر أمام واقع مزدوج، فهي تقترض للسكن والاستهلاك بمعدلات متفاوتة، وتدخر في الوقت نفسه داخل منظومة بنكية تبحث عن توازن بين تعبئة الموارد وتمويل الاقتصاد.
وبذلك، تعكس أرقام بنك المغرب لشهر أبريل 2026 تحولا مهما في العلاقة بين القروض والودائع. فالتراجع المسجل في كلفة تمويل المقاولات يمكن أن يدعم الاستثمار، بينما قد يساهم ارتفاع عوائد الودائع لأجل في تعزيز الادخار البنكي. غير أن الأثر الحقيقي لهذه التطورات سيظل مرتبطا بمدى قدرة البنوك على توجيه السيولة نحو الاقتصاد المنتج، وبمدى استفادة المقاولات الصغرى والأسر من شروط تمويل أكثر إنصافا.









تعليقات
0