وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟ عن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أتحدث..

وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟ عن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أتحدث..
وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟ عن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أتحدث..
محمد رامي الأربعاء 24 يونيو 2026 - 16:05 l عدد الزيارات : 3667

السلوك غير المدني لا ينتعش فقط بسبب ضعف التربية أو تراجع القيم أو ضغط التحولات الاجتماعية.

ينتعش أساسا حين تغيب السلطة أو تحضر بشكل انتقائي

مونديال 2026.. أسود الأطلس أمام هايتي بين حسم التأهل وطموح صدارة المجموعة
اقرأ المزيد

أخذت متسعا من الوقت لأطالع وأدقق في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول السلوك المدني في الفضاءات العمومية، الذي صدر مؤخرا، والحقيقة أنه استفزني كثيرا حين لمست، من خلال فقراته وسطوره لمسة محافظة مبالغ فيها، وكأنه يحاول إقناعنا بأنه توصل إلى اكتشاف عظيم، والحال أن كل ما ورد فيه واضح للعموم، ويمكن لأي مواطن عادي أن يجيب عن التساؤلات ويخلص إلى النتائج أكثر مما خلص إليها الرأي إياه، أو على الأقل سيسمي الأشياء بمسمياتها، ولن يلجأ إلى لغة حذرة للتغاضي عن الرصد الحقيقي للظاهرة وأسبابها وتبعاتها.

ما سكت عنه رأي المجلس، أو قاله بلغة حذرة، هو أن الأزمة ليست في النصوص وحدها. الأزمة في غياب سلطة كافية داخل الفضاء العام. سلطة لا تنتقي، لا تتراخى، لا تساوم، ولا تخاف من تطبيق القانون حين يتعلق الأمر بحق الجميع في مدينة محترمة، وطريق آمنة، ومرفق لائق، وفضاء مشترك لا يبتلعه العبث.

المشكل في المغرب أن القانون، في كثير من تفاصيل الحياة اليومية، لا يصل إلى الرصيف، ولا يحضر في المقهى، ولا يفرض نفسه في الطريق، ولا يحمي المواطن في المرفق، ولا يمنع الفوضى حين تتحول إلى عادة.

رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قال الشيء الكثير، لكنه ترك الأهم بين السطور. كشف أن النصوص موجودة، وأن الترسانة القانونية حاضرة، وأن المقاربة الجنائية لا تنقصها العناوين.

هناك مقتضيات تخص العنف، والتحرش، والسب، والقذف، وإحداث الضوضاء، وتخريب الممتلكات، ورمي النفايات، ومخالفات السير، والعنف في الملاعب. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بصرامة أكبر هو: لماذا لا يشعر المواطن بأن هذه النصوص تحكم فعلا الفضاء العام؟

حين ينتقل العنف المسجل في الوسط الحضري من 46 ألفا و553 حالة سنة 2023 إلى 60 ألفا و54 حالة سنة 2024، وحين تنتقل حوادث السير من 89 ألفا و475 إلى 101 ألف و804 حوادث، وحين تتجاوز مخالفات قانون السير مليونين و236 ألف مخالفة في سنة واحدة، فالأمر لا يتعلق ببعض التصرفات المعزولة. نحن أمام مؤشر عميق على أن الفضاء العمومي صار، في جزء منه، منطقة رخوة بين القانون والممارسة.

من السهل أن نلقي بالمسؤولية كلها على المواطن. هذا لا يكفي. نعم، هناك مواطن يرمي الأزبال من نافذة السيارة. وهناك من يحتل الرصيف. وهناك من يدخن في فضاء مغلق كأن الآخرين غير موجودين. وهناك من يعتبر الطريق ملكا خاصا لعجلاته ونزقه وسرعته. وهناك من يحول المرفق العمومي إلى ساحة صراخ، والمقهى إلى امتداد لبيته، والحي إلى مجال بلا قواعد. لكن هذا المواطن لم يتصرف بهذه الجرأة إلا لأنه اكتشف، بالتجربة اليومية، أن القانون لا يحضر دائما، وأن المخالفة تمر غالبا بلا كلفة.

هنا يوجد المسكوت عنه الحقيقي. السلوك غير المدني لا ينتعش فقط بسبب ضعف التربية أو تراجع القيم أو ضغط التحولات الاجتماعية. ينتعش أساسا حين تغيب السلطة المنظمة للفضاء المشترك. لا نتحدث هنا عن سلطة القمع، بل عن سلطة القانون العادل، الواضح، اليومي، الذي يعرفه الجميع ويطبق على الجميع. سلطة تقول لصاحب المقهى إن الرصيف ليس امتدادا لرخصته. وتقول للمدخن إن حقه في السيجارة ينتهي عند رئة غيره. وتقول للسائق إن الطريق ليست حلبة. وتقول للمواطن إن الحديقة والمصعد والشارع والمرفق ليست ممتلكات سائبة.

الرأي يتوقف عند الشرطة الإدارية الجماعية باعتبارها أداة للقرب. وهذا صحيح. لكن الواقع أن هذه الأداة، في عدد من المدن والجماعات، ما تزال مجرد ديكور جماعي يؤثث الفضاء العام، أو ما تزال أضعف من حجم الفوضى التي يفترض أن تواجهها. الجماعات الترابية تتحدث كثيرا عن القرب، لكنها تتردد حين يصبح القرب قرارا صعبا. تتردد أمام احتلال الملك العمومي. تتردد أمام فوضى المقاهي. تتردد أمام مواقف السيارات العشوائية. تتردد أمام الأسواق غير المنظمة. تتردد أمام مصالح انتخابية صغيرة صنعت، مع الوقت، فوضى كبيرة.

والمثير للاستغراب هو التلميح إلى موعد كأس العالم 2030، وكأن المغاربة مطالبون باحترام الفضاء العام فقط استعدادا لهذه المحطة

أقولها صراحة، من حقنا أن نستعد لكأس العالم 2030 بمدن منظمة وفضاءات نظيفة وملاعب آمنة وصورة حضارية تليق بالبلد. لكن السلوك المدني لا ينبغي أن يكون واجهة مؤقتة لضيوف الخارج. المواطن المغربي أولى بفضاء عمومي يحترمه كل يوم. الرصيف ليس مشروعا موسميا. والنظافة ليست بروتوكولا للمناسبات. والسلامة الطرقية ليست حملة ظرفية. واحترام القانون لا ينبغي أن ينتظر حدثا دوليا حتى يصبح أولوية.

الفضاء العمومي مرآة الدولة والمجتمع معا. حين يكون منظما، آمنا، نظيفا، ومحكوما بقواعد عادلة، يشعر المواطن أن القانون يحميه لا يطارده. وحين يتحول إلى فوضى يومية، يفقد الناس الثقة في القاعدة المشتركة، ثم يبدأ كل واحد في صناعة قانونه الخاص.

وهنا لا بد من قولها بوضوح: لا يمكن بناء سلوك مدني فقط بالخطب والحملات والملصقات. لا يمكن أن نقول للناس احترموا الفضاء العمومي بينما يرون كل يوم أن من يخالف لا يؤدي ثمنا. التحسيس مهم، والتربية ضرورية، والمدرسة والأسرة والإعلام لهم أدوار لا تعوض. لكن الوعظ بلا إنفاذ يتحول إلى كلام عابر. والقانون بلا تطبيق يتحول إلى ديكور. والفضاء العام بلا سلطة يصبح ملكا للأقوى، والأكثر ضجيجا، والأقل احتراما.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

من سوريا إلى الرباط.. الشامي يحمل فنه إلى موازين ويرد على منتقدي تجربته…
الأربعاء 24 يونيو 2026 - 18:40

من سوريا إلى الرباط.. الشامي يحمل فنه إلى موازين ويرد على منتقدي تجربته…

موجة الحر تشتد في أوروبا.. وأول انقطاع كبير للكهرباء في فرنسا
الأربعاء 24 يونيو 2026 - 18:28

موجة الحر تشتد في أوروبا.. وأول انقطاع كبير للكهرباء في فرنسا

جنيف.. إبراز مبادرات المجلس الوطني لحقوق الإنسان للنهوض بحقوق النساء في القطاع الرياضي
الأربعاء 24 يونيو 2026 - 14:21

جنيف.. إبراز مبادرات المجلس الوطني لحقوق الإنسان للنهوض بحقوق النساء في القطاع الرياضي

القطران في الأواني الفخارية.. مراسلة منسوبة لكتابة الدولة تنبه إلى خطر يهدد صحة المستهلك
الأربعاء 24 يونيو 2026 - 13:43

القطران في الأواني الفخارية.. مراسلة منسوبة لكتابة الدولة تنبه إلى خطر يهدد صحة المستهلك

corner image
error: