كشف رأي حديث للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن مفارقة مقلقة في منظومة التكوين المستمر بالقطاع الخاص. فبينما يفترض أن يشكل هذا التكوين رافعة لتأهيل الأجراء وتقوية تنافسية المقاولات، تؤكد المعطيات أن الاستفادة منه ما تزال محدودة إلى درجة تطرح أكثر من سؤال حول نجاعة الحكامة، وتعقيد المساطر، ومآل الموارد المالية المخصصة لهذا الورش.
الرقم الأكثر إثارة في التقرير يتمثل في كون سنة 2022 لم تعرف استفادة سوى 1647 مقاولة من عقود التكوين الخاصة، من أصل 315 ألف مقاولة خاضعة لرسم التكوين المهني. أي إن نسبة المقاولات المستفيدة لم تتجاوز 0.5 في المائة. وهو رقم ضعيف جدا، لا ينسجم مع الطموحات المعلنة في تأهيل الرأسمال البشري، ولا مع الحاجة المتزايدة إلى تطوير كفاءات الأجراء داخل المقاولات.
وتزداد دلالة هذا الرقم عندما نستحضر أن التكوين المستمر ليس خدمة ثانوية. إنه حق مهني ورافعة اقتصادية واجتماعية. فمن خلاله يمكن للأجراء مواكبة التحولات التكنولوجية والرقمية، وتحسين قابلية التشغيل، وتطوير المسارات المهنية. كما يمكن للمقاولات أن ترفع إنتاجيتها، وتحافظ على قدرتها التنافسية، وتواكب التحولات السريعة في سوق الشغل.
غير أن الواقع، كما يرسمه تقرير المجلس، يكشف عن منظومة مثقلة بعدد من الأعطاب. فالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، تبقى الأقل قدرة على الولوج إلى آليات التكوين المستمر. والسبب لا يرتبط فقط بضعف الإمكانيات الداخلية لهذه المقاولات، بل أيضا بتعقد المساطر، وتعدد المتدخلين، وطول آجال التعويض، وضعف المواكبة القريبة.
هذه الوضعية تجعل التكوين المستمر أقرب إلى امتياز تستفيد منه فئة محدودة من المقاولات، بدل أن يكون حقا مفتوحا أمام القاعدة الواسعة من النسيج الاقتصادي. وهو ما يطرح إشكالا اجتماعيا واضحا. فحرمان المقاولات الصغرى من فرص التكوين يعني، في العمق، حرمان آلاف الأجراء من تطوير مهاراتهم، وتحسين أوضاعهم المهنية، وتعزيز قدرتهم على الاستقرار والترقي داخل سوق الشغل.
ولا يتوقف الإشكال عند حدود ضعف الاستفادة. فالسؤال المالي حاضر بقوة. فخلال الفترة الممتدة بين 2012 و2022، تمت تعبئة حوالي 24 مليار درهم من رسم التكوين المهني، بمعدل يقارب 2.7 مليار درهم سنويا. غير أن المبلغ المخصص للتكوين المستمر للأجراء خلال الفترة نفسها لم يتجاوز 7.2 مليار درهم. وهذه المعطيات تفتح نقاشا ضروريا حول كيفية تدبير هذا الرسم، ومدى احترام الغاية التي أحدث من أجلها.
إن رسم التكوين المهني يؤديه النسيج الاقتصادي من أجل دعم تأهيل الموارد البشرية. لذلك، من المشروع أن تتساءل المقاولات، وخاصة الصغرى منها، عن نصيبها الفعلي من هذه الموارد. ومن المشروع أيضا أن يتساءل الأجراء عن أثر هذه الأموال على مساراتهم المهنية. فإذا كانت نسبة الاستفادة لا تصل إلى نصف في المائة من المقاولات، فإن الأمر لا يتعلق بتفصيل إداري، بل بمؤشر على خلل عميق في وظيفة المنظومة نفسها.
كما يبرز التقرير أن القانون رقم 60.17 المتعلق بتنظيم التكوين المستمر جاء بمقتضيات مهمة، من بينها توسيع دائرة المستفيدين لتشمل غير الأجراء وفاقدي الشغل، وإقرار آليات مثل الرصيد الزمني للتكوين، والتصديق على مكتسبات التجربة المهنية. غير أن هذا الإصلاح ظل، في جانب كبير منه، معطلا بسبب تأخر تفعيل النصوص التنظيمية، واستمرار الإشكالات المرتبطة بالحكامة والتمويل.
وتكشف هذه المعطيات أن المغرب لا يعاني من غياب الوعي بأهمية التكوين المستمر، بل من ضعف تحويل هذا الوعي إلى سياسة عمومية فعالة. فالخطاب الرسمي والوثائق الاستراتيجية تؤكد أهمية الرأسمال البشري، لكن الأرقام تكشف أن الولوج إلى التكوين المستمر ما يزال محدودا، وغير منصف، ومتمركزا في فئات ومجالات بعينها.
ولهذا، تبدو توصية المجلس بإصلاح استعجالي لمنظومة التكوين المستمر أكثر من ضرورية. فالأمر يحتاج إلى حكامة أوضح، وهيئة قادرة على التدبير والتتبع والتقييم، ومنصة رقمية وطنية تبسط المساطر، وتقلص آجال معالجة الملفات، وتتيح معطيات دقيقة حول المستفيدين والتمويلات والنتائج. كما يحتاج إلى تخصيص فعلي وشفاف للموارد المالية الموجهة للتكوين المستمر.









تعليقات
0