- أحمد بيضي
بين الأطروحات الجامعية التي نوقشت لنيل شهادة الدكتوراه، برزت أطروحة، في أزيد من 390 صفحة، موسومة بـ “التمثلات الثقافية والأدبية للجنود المغاربة خلال الحقبة الاستعمارية: قراءة ديكولونيالية”، تقدم بها الباحث جواد العلامي، الأستاذ بمديرية خنيفرة، صباح يوم السبت 6 يونيو 2026 بكلية اللغات والآداب والفنون بالقنيطرة التابعة لجامعة ابن طفيل، وقد نال الباحث شهادة الدكتوراه في تكوين “اللغة والمجتمع”، بعدما قررت اللجنة العلمية منحه درجة الدكتوراه بميزة “مشرف جدا مع التوصية بالنشر”، تقديرا للقيمة العلمية للبحث وأصالته وأهمية موضوعه.
وتناولت الأطروحة تاريخ الجنود المغاربة الذين خدموا في الجيوش الاستعمارية الفرنسية من منظور نقدي وتحرري، من خلال اعتماد المقاربة الديكولونيالية إطارا نظريا ومنهجيا لدراسة صورة هؤلاء المحاربين في السرديات الاستعمارية الغربية والسرديات المغربية ما بعد الكولونيالية، وسعت إلى تجاوز السرديات الغربية التي هيمنت طويلا على كتابة تاريخ هؤلاء الجنود وتجاربهم، والكشف عن النزعات الاستعمارية التي غذّت التصورات الغربية بشأنهم، مع إبراز الاختيارات الديكولونيالية التي تبنتها السرديات المغربية في تناول هذه التجارب.
وخلصت الأطروحة إلى أن إعادة تقييم تجارب الجنود المغاربة خلال الحقبة الاستعمارية من شأنها الإسهام في إثراء النقاشات العلمية المرتبطة بتصفية آثار الاستعمار في التاريخ والثقافة المغربيين، من خلال تفكيك ثنائيات هيمنت على الخطابات الاستعمارية، من قبيل “الغرب والبقية”، و”التفوق الأوروبي ودونية الآخر”، و”الاستعمار والوطنية”، كما تفتح هذه المقاربة المجال أمام تراكم معارف وتجارب إنسانية متعددة وغير إقصائية، وتسعى إلى إعادة المعرفة الأوروبية إلى سياقها المحلي بما يسمح بإعادة تموقعها داخل الحقل المعرفي.
وتتألف الأطروحة من ثلاثة أجزاء رئيسية، يخصص الجزء الأول للأطر المفاهيمية والنظرية والمنهجية، بينما يتناول الجزء الثاني أنماط الكولونيالية في تمثيل الجنود الاستعماريين من خلال دراسة مواد أدبية وسينمائية من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، أما الجزء الثالث، فيستكشف الروايات التي تركز على ذوات الجنود الاستعماريين المغاربة، بما يسهم في تفكيك الأشكال التقليدية للتمثلات الاستعمارية والرؤى الأوروبية المركزية تجاه هؤلاء الجنود، ويختتم هذا الجزء بقراءة للروايات الشفوية المسجلة لجنود مغاربة خدموا في الجيوش الاستعمارية ونجوا من الحرب العالمية الثانية والحرب الفرنسية في الهند الصينية.
ويمكن النظر إلى الأطروحة أيضا باعتبارها مؤلفة من ثمانية فصول مترابطة، يقدم كل منها موضوعا ومسارا حجاجيا مستقلا، وقد رتبت هذه الفصول زمنيا ومكانيا بما يتيح الإحاطة بمختلف النصوص والسرديات المرتبطة بالجنود الاستعماريين، ويوفر رؤية شاملة لتجاربهم، فمن الناحية الزمنية، تتتبع الأطروحة مراحل تجنيدهم المبكر في جيش المستعمر، ومشاركتهم في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وانخراطهم في معارك الهند الصينية، وصولا إلى عودتهم إلى مواطنهم عشية الاستقلال. كما تستعرض مختلف الفضاءات التي زج بهم فيها، وأدوارهم ضمن المشروع الاستعماري الفرنسي، وتداعيات تلك التجارب على حياتهم ومساراتهم داخل المغرب بعد الاستقلال.
المقاربة الديكولونيالية ورؤية الآخر
يخصص الفصل الأول لتأصيل الإطار المفاهيمي والنظري الديكولونيالي الذي اعتمدته الأطروحة في تحليل أنماط تمثيل الجنود المغاربة خلال الحقبة الاستعمارية، ويتناول مفهوم الكولونيالية وآليات اشتغال ما يعرف بـ “مصفوفة السلطة الكولونيالية” من خلال أبعادها الثلاثة المتمثلة في كولونيالية السلطة، وكولونيالية المعرفة، وكولونيالية الوجود، مع الوقوف عند العلاقة الوثيقة بين الحداثة الغربية ومشاريع الهيمنة الاستعمارية، وينطلق الفصل من اعتبار أن فهم تجليات الكولونيالية في تمثلات الجنود الاستعماريين يشكل مدخلا أساسيا لتحرير المعرفة من الإرث الاستعماري وفتح المجال أمام مقاربة ديكولونيالية تستعيد تجارب هؤلاء الجنود من منظور مغاير.
وفي هذا السياق، يستند بحث الأطروحة إلى الإسهامات النظرية لعدد من أبرز مفكري التيار الديكولونيالي، وفي مقدمتهم أنيبال كويجانو ووالتر مينولو، من أجل تفكيك الكيفية التي أسهمت بها الكولونيالية ومصفوفة السلطة الكولونيالية في تشكيل السرديات الأوروبية والأمريكية الشمالية المتعلقة بالجنود المغاربة، والكشف عن الآليات المعرفية والثقافية التي كرست صورا نمطية وهيمنت على كتابة تاريخهم وتمثيل تجاربهم، كما يسعى الفصل إلى مساءلة مصادر إنتاج المعرفة التاريخية والأدبية المرتبطة بهؤلاء الجنود، وإبراز حدود المقاربات التقليدية في تناول سيرهم ومساراتهم.
أما الفصل الثاني، فيقدم عرضا للأسس المنهجية التي وجهت بناء الأطروحة وهيكلة مسارها البحثي، مع تسليط الضوء على القيود التي تفرضها المناهج التقليدية المستندة إلى النماذج المعرفية الأوروبية المركزية، وما يترتب عنها من تضييق لمساحات التفاعل بين الباحث وموضوع الدراسة، وفي مقابل ذلك، يستعرض الفصل مجموعة من المقاربات والمنهجيات البديلة المنسجمة مع الرؤية الديكولونيالية للبحث، مع التركيز على موقع الباحث في عملية إنتاج المعرفة، واعتماد ما يعرف بمنهجية “النبش” أو “التقاط الشظايا”، إلى جانب أدوات بحثية أخرى مكنت من إعادة تركيب التجارب والذاكرة الاستعمارية من زوايا متعددة.
وينتقل الفصل الثالث إلى تحليل صورة الجنود المغاربة في السرد الفرنسي الاستعماري، حيث سعت الأدبيات الفرنسية، في سياق تجنيد آلاف الجنود من مستعمراتها بإفريقيا وجنوب شرق آسيا، إلى بناء مبررات أخلاقية وإيديولوجية لتسليح وتوظيف قوات وصفتها بالـ “ملونة” و”البربرية” لخدمة الإمبراطورية الفرنسية داخل المستعمرات وفي الحروب الأوروبية، ويقف الفصل عند الروايات العسكرية التي كتبها ضباط فرنسيون قادوا وحدات من الجنود المغاربة، وفي هذا الإطار، يتناول الفصل رواية “أسطورة الكومي سعيد” للكاتب جوزيف بيريه باعتبارها نموذجا معبرا عن الرؤية الاستعمارية للآخر المغربي.
سرديات الحرب والخلفية الأنثروبولوجية
ويخصص الفصل الرابع لدراسة صورة الجنود المغاربة في السرديات الأمريكية المرتبطة بالحرب العالمية الأولى، من خلال تحليل أرشيف واسع يضم مذكرات الحرب والسير الذاتية واليوميات الشخصية والرسائل التي كتبها ضباط وجنود أمريكيون، إلى جانب ممرضات وعاملين في الخدمات العسكرية ممن ارتبطت تجاربهم مباشرة بأحداث الحرب، ويتيح هذا الأرشيف الوقوف على طبيعة التصورات الأمريكية تجاه الجنود المغاربة والقوات الاستعمارية عموما، ورصد الكيفية التي أثرت بها البنية الاستعمارية في تشكيل هذه التمثلات، رغم اختلافها النسبي عن الرؤية الفرنسية، كما يتناول الفصل تصورات الأمريكيين السود تجاه الجنود الأفارقة المستعمرين.
يتناول الفصل الخامس تمثلات الجنود الاستعماريين المغاربة من زاوية مغايرة، عبر الانتقال إلى دراسة الصورة التي رسمها لهم “الآخر” الأوروبي في الضفة المقابلة من ساحات الحرب، وانشغل الباحث بتحليل الكيفية التي نظرت بها الدعاية الألمانية والإيطالية إلى الجنود المغاربة، مستندا إلى أرشيف دعائي ووثائقي يكشف عن أبعاد سياسية وإيديولوجية عميقة، ففي الشق الألماني، يفكك الفصل الخطابات التي أنتجتها الدعاية خلال الحرب العالمية الأولى، وخاصة الكتيبات التي وزعت للتأثير في الرأي العام، ومن بينها كتيب “القوات الملونة”، مبرزا كيف ساهمت هذه المواد في ترسيخ صور نمطية سلبية عن الجنود الاستعماريين.
كما اتتبع البحث توظيف قضية “العار الأسود” في منطقة الراين لتغذية النزعات القومية والعنصرية التي رافقت صعود النازية، فضلا عن استحضار المجازر التي استهدفت الجنود الاستعماريين سنة 1940، أما في الجانب الإيطالي، فيسلط الفصل الضوء على ظاهرة “الماروكينات” وما ارتبط بها من تمثلات أدبية وسينمائية، من خلال تحليل رواية “امرأتان” للكاتب ألبرتو مورافيا والفيلم المقتبس عنها، ويبين الباحث كيف أسهمت الأعمال الأدبية والسينمائية في ترسيخ صورة الجنود المغاربة باعتبارهم مسؤولين عن أعمال اغتصاب ونهب ووحشية مزعومة، في بناء سردي اعتمد بدرجة أكبر على التخييل والتمثيل الثقافي منه على الوقائع التاريخية الموثقة.
ويواصل الفصل السادس مساءلة إمكانات تجاوز الإرث الاستعماري داخل السرديات الأوروبية والأمريكية الشمالية، من خلال البحث في مدى قدرتها على تقديم تمثيل أكثر إنصافا وعدالة معرفية للجنود الاستعماريين، وفي هذا الإطار، يخصص الباحث تحليلا معمقا لرواية الريفي التي نشرها كارلتون كون سنة 1933، وهي رواية تقع عند تقاطع الأدب والأنثروبولوجيا وتستند جزئيا إلى قصة حقيقية لجندي مغربي من منطقة الريف التحق بالجيش الفرنسي وشارك في الحرب العالمية الأولى، ويرصد الفصل حدود انفصال هذا العمل عن المنظور الاستعماري ومدى استمرار بعض هياكله المعرفية في تشكيل صورة الجندي المغربي.
كما يستثمر الباحث الخلفية الأنثروبولوجية لمؤلف الرواية لفحص الكيفية التي جرى بها توظيف المعرفة العلمية في إنتاج صور نمطية عن المغاربة، متناولا في الوقت نفسه قضايا التجنيد داخل الجيش الاستعماري، وتجربة الجنود المغاربة في فرنسا، ومواقفهم من الاستعمار والمقاومة، ومن خلال هذا التحليل، يسعى الفصل إلى الكشف عن التوتر القائم بين ادعاءات الخطاب الإنساني وما يختزنه من بقايا الرؤية الاستعمارية في تمثيل الجنود المغاربة داخل المتخيل الغربي.
الرواية المغربية والذاكرة الشفوية
ويخصص الفصل السابع لدراسة حضور الجنود الاستعماريين المغاربة في الرواية المغربية بعد الاستقلال، من خلال تتبع الكيفية التي سعى بها الأدب المغربي إلى التحرر من النماذج السردية الغربية وإعادة الاعتبار لهذه الفئة التي ظلت لسنوات طويلة على هامش الذاكرة الوطنية والتاريخ الرسمي، ويبرز الباحث أن الرواية المغربية لم تمنح في العقود الأولى بعد الاستقلال اهتماما كبيرا لتجارب الجنود الاستعماريين، باستثناء بعض الإشارات المتفرقة، كما هو الحال في رواية “عام الفيل” للكاتبة ليلى أبو زيد، التي يظهر فيها أحد الشخصيات الرئيسية بوصفه جنديا استعماريا سابقا تحول لاحقا إلى مناضل من أجل التحرر.
غير أن هذا الموضوع عرف حضورا متزايدا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، خاصة بعد صدور فيلم “السكان الأصليون”، للمخرج رشيد بوشارب، الذي أعاد إثارة النقاش حول مساهمة الجنود المغاربة وشمال الأفارقة في الحروب الأوروبية، وفي هذا السياق، يرصد الفصل عددا من الأعمال الروائية المكتوبة بالعربية والفرنسية والإنجليزية، مع تخصيص حيز موسع لرواية “حرب الجوم” للكاتب محمد معزوز، إلى جانب مناقشة أعمال أخرى من قبيل “عبدية خالصة”، و”في بلاد الآخرين”، و”الأرض ما قبل الأولى”، و”سيرة الجندي المجهول”.
ومن خلال هذه المتون الأدبية، يفحص الباحث مدى قدرة الرواية المغربية على تجاوز الرؤية الاستعمارية وإعادة تقييم تجربة الجنود المغاربة من منظور ما بعد استعماري، عبر استحضار قضايا التجنيد والحرب والعودة إلى الوطن، وإعادة بناء العلاقات الإنسانية بعيدا عن التصورات الكولونيالية التي هيمنت على الكتابات الغربية، كما يرصد الكيفية التي أعادت بها الرواية المغربية منح هؤلاء الجنود موقعا فاعلاً داخل السرد التاريخي، بعد أن ظلوا لسنوات طويلة موضوعا للتمثيل من منظور الآخر الاستعماري، ويبرز كذلك الجهود السردية الرامية إلى استعادة أصواتهم وتجاربهم الفردية والجماعية، والكشف عن الأبعاد الإنسانية والنفسية والاجتماعية لقضاياهم.
أما الفصل الثامن والأخير، فيمثل انتقالا من النصوص الأدبية إلى الشهادات الحية، حيث ينفتح على الذاكرة الشفوية للجنود المغاربة السابقين بوصفها مصدرا أساسيا لإعادة بناء التاريخ من وجهة نظر الفاعلين أنفسهم، ويناقش الباحث أهمية الشفوية في استعادة الوجود والذاكرة، من خلال تحليل الروايات التي أدلى بها محاربون قدامى عاشوا الأحداث التاريخية بشكل مباشر، باعتبارها أداة تمنحهم حق استعادة أصواتهم ومواقعهم داخل السردية التاريخية، مع تناول ذكريات هؤلاء الجنود المرتبطة بالتجنيد في الجيش الفرنسي، وخوض المعارك في أوروبا، والمشاركة في حرب الهند الصينية، وما رافق ذلك من تجارب قاسية خلال العودة إلى الوطن بعد انتهاء الحروب.
مقابلات ميدانية وقراءة التجربة
دون أن يفوت هذا الفصل طرح ما واجهه الكثير من هؤلاء الجنود من التهميش والنسيان رغم التضحيات التي قدموها، ولأجل ذلك، أجرى الباحث سلسلة من المقابلات الميدانية مع عدد من الجنود الاستعماريين السابقين في مناطق مختلفة من المغرب، وقام بترجمة مجموعة مختارة من شهاداتهم وإدراجها ضمن متن الأطروحة، باعتبارها مادة أساسية لإعادة قراءة التجربة الاستعمارية من منظور ما بعد استعماري قائم على الإنصات للذاكرة المهمشة واستعادة الخبرات الإنسانية التي غيبتها السرديات الرسمية.
وتختتم الأطروحة بخلاصة عامة تستعرض أبرز النتائج التي توصل إليها البحث، مؤكدة ضرورة إعادة قراءة تاريخ الجنود المغاربة الاستعماريين خارج التصورات الكولونيالية التقليدية، وإدماج تجاربهم ضمن الذاكرة الجماعية والتاريخ الوطني، كما تضم الأطروحة قائمة بيبليوغرافية وملحقا وثائقيا مهما يتضمن شهادات شفوية مختارة لعدد من المحاربين القدامى، وتشكل هذه الشهادات أرشيفا إنسانيا وتاريخيا غنيا يوثق لمسارات امتدت من الحربين العالميتين إلى حرب الهند الصينية ومعركة معركة ديان بيان فو، وتمنح للجنود المغاربة فرصة استعادة أصواتهم وكتابة جزء من تاريخهم بذاكرتهم الخاصة.










تعليقات
0