رغم أن المؤشر العام لإنتاج الصناعة التحويلية، باستثناء تكرير النفط، دخل الفصل الأول من سنة 2026 على وقع تراجع بنسبة 1,4 في المائة، إلا أن عددا من الفروع الصناعية تمكنت من مقاومة هذا المنحى السلبي، مسجلة أداء إيجابيا خفف نسبيا من حدة الصورة العامة التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط.
وتبرز معطيات الرقم الاستدلالي للإنتاج الصناعي والطاقي والمعدني أن التراجع لم يكن شاملا لكل مكونات النسيج الصناعي، إذ حافظت قطاعات مرتبطة بسلاسل إنتاج ذات قيمة مضافة أعلى على منحى تصاعدي، في مقدمتها صنع وسائل النقل الأخرى، الذي سجل ارتفاعا قويا بلغ 28,2 في المائة خلال الفصل الأول من السنة الجارية، مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2025.
كما واصل قطاع صناعة السيارات تسجيل أداء إيجابي، بارتفاع قدره 4,5 في المائة، مؤكدا مرة أخرى موقعه ضمن الفروع الأكثر قدرة على الصمود داخل الصناعة الوطنية، رغم السياق العام المتسم بتراجع عدد من الأنشطة الصناعية التقليدية. ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الذي باتت تحتله صناعة السيارات في منظومة التصدير وسلاسل الإنتاج المرتبطة بها.
ومن بين القطاعات التي حافظت على دينامية إيجابية أيضا، سجلت الصناعة الصيدلانية ارتفاعا بنسبة 4,5 في المائة، وهو أداء يعكس استمرار الطلب على هذا الفرع الحيوي، في وقت تعرف فيه قطاعات صناعية أخرى مرتبطة بالاستهلاك أو بالبناء أو بالتجهيزات منحى تنازليا واضحا.
وسجل صنع التجهيزات المعلوماتية والمنتجات الإلكترونية والبصرية بدوره ارتفاعا بنسبة 7,1 في المائة، في مؤشر يعكس حيوية نسبية في بعض الأنشطة المرتبطة بالتكنولوجيا والتجهيزات الحديثة. كما ارتفع إنتاج صناعة المشروبات بنسبة 2,1 في المائة، وصناعة النسيج بنسبة 3,2 في المائة، وصناعة الجلد والأحذية باستثناء الملابس الجلدية بنسبة 5,7 في المائة.
وتظهر المعطيات كذلك تحسنا لافتا في فرع إصلاح وتركيب الآلات والمعدات، الذي سجل ارتفاعا بنسبة 14,7 في المائة، إلى جانب ارتفاع الصناعات التحويلية الأخرى بنسبة 4,9 في المائة، وصنع منتجات المطاط والبلاستيك بنسبة 2,8 في المائة، وصنع الأثاث بنسبة 1,1 في المائة.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تحجب واقع التراجع العام الذي طبع بداية السنة، خاصة مع انخفاض إنتاج فروع وازنة مثل صنع الأجهزة الكهربائية، والصناعات الغذائية، وصناعة الملابس، والمنتجات غير المعدنية، والصناعة الكيماوية. لكنها تكشف، في المقابل، عن وجود جيوب مقاومة داخل النسيج الصناعي الوطني، تقودها قطاعات أكثر ارتباطا بالتصنيع المندمج، والتكنولوجيا، والصناعات الموجهة جزئيا نحو التصدير.
وبذلك، تقدم أرقام الفصل الأول من سنة 2026 صورة مزدوجة عن الصناعة الوطنية: تراجع عام في المؤشر، يقابله صمود واضح في فروع محددة، خاصة السيارات، ووسائل النقل، والصناعة الصيدلانية، والتجهيزات الإلكترونية. وهي قطاعات قد تشكل، إذا استمر منحاها التصاعدي خلال الفصول المقبلة، عاملا لتخفيف الضغط على الأداء الصناعي العام، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص التباطؤ المسجل في بعض الأنشطة التقليدية.










تعليقات
0