عاد ملف المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالحاجب إلى الواجهة، ليس باعتباره مجرد نقاش إداري حول تسمية مؤسسة جامعية، بل كقضية ترتبط مباشرة بمبدأ العدالة المجالية، وبحق المدن الصغرى والمتوسطة في الاستفادة من مؤسسات جامعية نوعية قادرة على خلق دينامية علمية واقتصادية واجتماعية داخل محيطها.
فالمعطى الثابت، إلى حدود اليوم، أن إحداث المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالحاجب ورد في المرسوم رقم 2.21.11 الصادر في 8 شتنبر 2021، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7025 بتاريخ 27 شتنبر 2021، القاضي بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.90.554 المتعلق بالمؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية. هذا المرسوم ينص، ضمن مؤسسات جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، على: “المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالحاجب” ضمن مؤسسات جامعة مولاي إسماعيل. وهذا المعطى يمنح المدينة حقا مؤسساتيا لا يمكن تجاوزه بمنطق التأويل أو الأمر الواقع، ما لم يصدر نص رسمي جديد وواضح يغير القرار الأصلي، ويشرح للرأي العام أسباب هذا التحول وسنده القانوني.
غير أن ما يثير الانتباه هو استمرار ظهور مباريات الولوج إلى هذه المؤسسة باسم مكناس، رغم أن أصل الإحداث ارتبط بالحاجب. وهو وضع يطرح أسئلة مشروعة حول المسار الذي اتخذه هذا الملف داخل الجامعة وخارجها، وحول الجهة التي تدفع في اتجاه تثبيت المؤسسة بمكناس بدل احترام قرار إحداثها بالحاجب.
ولا يزيد هذا الالتباس إلا حدة حين تبرز، من داخل بعض الأوساط الجامعية ومن جهات نافذة بمكناس، أصوات تدفع في اتجاه تحيين مرسوم الإحداث بما يجعل المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير مرتبطة بمكناس. وقد وردت هذه الإشارة صراحة في بيان للمكتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، حين تحدث عن مواصلة الترافع بشأن مطلب تنزيل توصية مجلس الجامعة المتعلقة بتحيين مرسوم إحداث المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بمكناس.
هذه النقطة تحديدا هي جوهر الإشكال. فإذا كان هناك اتجاه فعلي نحو تغيير موقع المؤسسة أو تثبيت تسميتها بمكناس، فإن الأمر لا ينبغي أن يتم في صمت أو داخل دوائر ضيقة. فالمسألة لا تخص الجامعة وحدها، بل تخص مدينة الحاجب وساكنتها ونخبها وحقها في التنمية والإنصاف.
لا يتعلق الأمر هنا بمعاداة مكناس أو التشكيك في مكانتها الجامعية والعلمية. فمكناس مدينة جامعية عريقة، وتتوفر على مؤسسات ومرافق وتجهيزات راكمتها عبر سنوات. لكن السؤال المشروع هو: لماذا تسحب مؤسسة نوعية من مدينة مثل الحاجب، وهي في حاجة إلى مشاريع مهيكلة، لفائدة مدينة تتوفر أصلا على حضور جامعي ومؤسساتي أكبر؟
إن العدالة المجالية لا تعني تركيز المؤسسات في المدن التي تملك القدرة على الضغط والتأثير، بل تعني توزيع الفرص بشكل منصف بين المجالات. والحاجب، بحكم موقعه وحاجياته التنموية، كان في أمس الحاجة إلى مؤسسة من حجم المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، لما يمكن أن تفتحه من آفاق أمام الطلبة، وما يمكن أن تخلقه من حركية اقتصادية وخدماتية، وما يمكن أن تمنحه للمدينة من إشعاع جديد.
ومن هنا تبدو الأسئلة ملحة: من له مصلحة في نقل هذا المشروع إلى مكناس؟ لماذا لم يصدر توضيح رسمي يشرح للرأي العام حقيقة ما يجري؟ أين تقف وزارة التعليم العالي من هذا الملف؟ وما موقف المنتخبين والهيئات المدنية والسياسية بالحاجب من محاولة إفراغ قرار الإحداث من مضمونه؟
إن ترك الملف في منطقة رمادية يضر بصورة القرار العمومي. فلا يمكن أن يصدر نص رسمي بإحداث مؤسسة بمدينة معينة، ثم تظهر المؤسسة في مسارات الولوج والتداول العملي باسم مدينة أخرى، دون تفسير واضح. مثل هذا الوضع يفتح الباب أمام الشك، ويغذي الإحساس بأن المدن الأقل تأثيرا قد تفقد حقوقها حين تغيب عنها قوة الترافع.
الحاجب لا تطالب بامتياز خاص، بل باحترام قرار رسمي. وساكنتها لا تطلب أكثر من حقها في مؤسسة جامعية محدثة باسمها، وفي مشروع كان يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لتنمية الإقليم. لذلك، فإن إنصاف الحاجب يبدأ من جواب واضح: هل ما زال قرار إحداث المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالحاجب قائما؟ وإذا كان الجواب نعم، فلماذا تظهر المؤسسة باسم مكناس؟ وإذا كان هناك توجه لتغييره، فمن قرره، وبأي سند؟
إن هذا الملف لم يعد مجرد تفصيل إداري داخل الجامعة. إنه اختبار حقيقي لمصداقية الحديث عن العدالة المجالية، وعن إنصاف المدن الصغرى والمتوسطة. فإما أن يتم احترام قرار الإحداث بالحاجب، وإما أن تخرج الجهات المعنية بتوضيح رسمي يتحمل مسؤوليته أمام الرأي العام.
أما الصمت، في هذه الحالة، فلا يخدم الجامعة ولا مكناس ولا الحاجب. إنه فقط يكرس شعورا قاسيا بأن بعض المدن تظل خارج دائرة الإنصاف، حتى حين تمنحها النصوص الرسمية حقا واضحا.









تعليقات
0