عاد ملف التكوين المستمر في القطاع الخاص إلى واجهة النقاش العمومي، بعد أن كشف رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن مفارقة لافتة. فالقانون رقم 60.17 المتعلق بتنظيم التكوين المستمر صدر حاملا وعودا بتوسيع دائرة المستفيدين، وتأهيل الأجراء، وإدماج فئات جديدة في منظومة التكوين، غير أن تنزيله ظل محدودا، بسبب إشكالات الحكامة والتمويل وتأخر تفعيل عدد من مقتضياته الأساسية.
ويكتسي هذا القانون أهمية خاصة، لأنه جاء في سياق تحولات عميقة يعرفها سوق الشغل. فالمهن تتغير بسرعة، والرقمنة تعيد تشكيل حاجيات المقاولات، والمهارات التي كانت كافية بالأمس قد تصبح متقادمة اليوم. لذلك، لم يعد التكوين المستمر ترفا إداريا أو إجراء تكميليا، بل أصبح شرطا من شروط الحفاظ على قابلية التشغيل، وتحسين الإنتاجية، وتقوية تنافسية المقاولات.
وقد حمل القانون رقم 60.17 توجها متقدما على مستوى المبدأ. فقد وسع دائرة المستفيدين من التكوين المستمر لتشمل أجراء القطاع الخاص، وبعض فئات مستخدمي المؤسسات والمقاولات العمومية، إضافة إلى الأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا. كما فتح الباب أمام الأجراء الذين فقدوا عملهم، بما يجعل التكوين آلية لإعادة الإدماج المهني، وليس فقط وسيلة لتطوير كفاءات الأجراء داخل المقاولات.
كما أقر القانون آليات جديدة، من بينها الرصيد الزمني للتكوين المستمر، الذي يمنح الأجراء إمكانية الاستفادة من أيام تكوين قابلة للتجميع، إلى جانب التصديق على مكتسبات التجربة المهنية. وتعد هذه الآلية الأخيرة ذات أهمية اجتماعية كبيرة، لأنها تتيح الاعتراف بالكفاءات التي راكمها العاملون داخل المقاولات وخارج المسارات التعليمية النظامية، خاصة أن جزءا واسعا من الساكنة النشيطة يملك خبرة مهنية دون شهادة تثبتها.
غير أن قوة النص القانوني لم تتحول بالقدر المطلوب إلى أثر فعلي داخل سوق الشغل. فحسب رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تعثر تفعيل المقتضيات الجديدة التي نص عليها القانون، كما لم يؤسس هذا الإصلاح لقطيعة هيكلية مع نموذج الحكامة المعمول به. وهذا يعني أن الإشكال لا يرتبط فقط بتأخر تقني في إصدار النصوص أو الإجراءات، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يدبر المنظومة، وكيف توزع الموارد، ومن يراقب النتائج.
ويبرز التقرير أن إحدى نقاط الخلاف الأساسية ترتبط بالموقع المؤسساتي للهيئة التنفيذية المكلفة بالتكوين المستمر، وباستمرار النقاش حول دور مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل داخل هذه المنظومة. فعدد من الفاعلين يعتبرون أن الإبقاء على تدبير التكوين المستمر داخل المكتب يحد من مدى الإصلاح، ويطرح أسئلة حول استقلالية الحكامة وشفافية التدبير وملاءمة الآليات مع تنوع الفئات المستهدفة.
هذا النقاش ليس تفصيلا إداريا. فحين تتوسع قاعدة المستفيدين لتشمل غير الأجراء وفاقدي الشغل، تصبح المنظومة في حاجة إلى حكامة مختلفة، أكثر مرونة وقدرة على تتبع حاجيات سوق الشغل. كما تحتاج إلى آليات تمويل واضحة وعادلة، تضمن استفادة فعلية للفئات التي أقر القانون حقها في التكوين، بدل أن تبقى مقتضياته محصورة في النصوص.
وتظهر محدودية التنزيل كذلك من خلال ضعف استفادة المقاولات من آليات التكوين المستمر. فالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تشكل القاعدة الواسعة للنسيج الاقتصادي، تجد صعوبة في الولوج إلى هذه الآليات بسبب تعقيد المساطر، وتعدد المتدخلين، وطول آجال التعويض. ونتيجة لذلك، يتحول التكوين المستمر إلى مسار ثقيل لا تقدر عليه إلا فئة محدودة من المقاولات، بينما تبقى المقاولات الأكثر حاجة إلى المواكبة خارج دائرة الاستفادة الفعلية.
وتزداد خطورة هذا الوضع حين نربطه بالبعد الاجتماعي. فكل مقاولة لا تستفيد من التكوين المستمر تعني أجراء محرومين من تطوير مهاراتهم. وكل تأخر في تفعيل التصديق على مكتسبات التجربة المهنية يعني بقاء خبرات واسعة دون اعتراف رسمي. وكل غموض في التمويل والحكامة ينعكس مباشرة على فرص الارتقاء المهني، وعلى قدرة العاملات والعاملين على مواجهة تحولات سوق الشغل.
ومن زاوية اقتصادية، يربك هذا التعثر قدرة المقاولات على التأقلم مع متطلبات التنافسية. فالمقاولة التي لا تستثمر في كفاءات مواردها البشرية تجد نفسها أقل قدرة على الابتكار، وأضعف في مواجهة التحولات التكنولوجية، وأكثر هشاشة أمام الأزمات. لذلك، فإن إصلاح التكوين المستمر يرتبط مباشرة بجودة الاستثمار، وبالإنتاجية، وبقدرة الاقتصاد الوطني على الصمود.
إن القانون رقم 60.17 كشف عن إرادة إصلاحية مهمة، لكنه أبرز في الوقت نفسه محدودية الإصلاح حين لا ترافقه حكامة واضحة، وتمويل مستدام، ونصوص تطبيقية فعالة، وآليات تقييم دقيقة. فالتكوين المستمر لا يمكن أن ينجح بمنطق التصريحات العامة، بل يحتاج إلى منظومة تقيس النتائج، وتحدد المسؤوليات، وتضمن وصول الموارد إلى المقاولات والأجراء والفئات التي تحتاج فعلا إلى التأهيل.
ولهذا، تبدو الحاجة ملحة إلى تسريع مراجعة المنظومة وفق مقاربة أكثر وضوحا. ويقتضي ذلك إحداث هيئة قادرة على قيادة السياسة العمومية للتكوين المستمر باستقلالية وفعالية، وتبسيط المساطر عبر منصة رقمية وطنية، وتوفير تمويل عادل وشفاف، وتقوية حضور الجهات في تحديد الحاجيات التكوينية. كما ينبغي جعل التصديق على مكتسبات التجربة المهنية حقا عمليا ومتاحا، لا مجرد آلية منصوص عليها في القانون.
فالإصلاح الذي لا يصل إلى الأجراء والمقاولات يبقى إصلاحا ناقصا. والقانون الذي يوسع الحقوق دون أن يضمن آليات تنزيلها يخلق انتظارات اجتماعية ومهنية لا تتحقق. لذلك، فإن قانون التكوين المستمر يطرح اليوم سؤالا حاسما: هل نملك الشجاعة للانتقال من الإصلاح المكتوب إلى التأهيل الفعلي للرأسمال البشري؟









تعليقات
0