..دردشة مع “أحمد بنسماعيل” الفوتوغرافي المراكشي ..   تجار الاكل “ابتلعوا” تاريخ جامع الفنا..

72٬362

 

حاوره ..محمد دهنون

بداية التسعينيات في مراكش كانت “الاتحاد الاشتراكي “الجريدة قد قررت فتح مكتب جهوي في المدينة الحمراء قصد ملاحقة الاخبار والسياسة و المجتمع ..وكنا نحن الشباب الذي قرر اقتراف “جريرة الصحافة المعارضة”..وجها لوجه مع التاريخ والاحداث الطازجة والطافحة في “سبعة رجال”..الطاقم بدأ صغيرا لكنه كان مصرا على النضال الاعلامي وقتها …عبد الرفيع جواهري بكاريزما الثقافة والسياسة والقانون ..المبارك البومسهولي بصلابته الورزازتية ..المرحوم أشيبان الصامت، والعبد الضعيف لله ..بدأ مكتب الجريدة في إرسال الإشارات الأولى لوجود صحافة جادة تتنكب مسارات التاريخ وتنتصر للمهنية والأجناس الصحفية التي تؤشر على علو الكعب المهني..الروبرتاج , الاستجواب الصحفي ,البورتريه..وهذه الانعطافة كانت تحتاج لعين فنان وفوتوغرافيا تملك استباقية وتوقعية نافذة للمواد الاعلامية ولما نريد إبرازه في عملنا الصحفي ..

بطبيعة الحال ما أنجز في تلك السنوات كان غزيرا عميقا طازجا ..وكان داخل التجربة المتحدث عنها رجل فنان وإنسان مراكشي مثقف مرح ذو نظرة ثاقبة قابضة على ما نفكر فيه كصحافة تقدمية ..كان هناك أحمد بنسماعيل الذي لايحتاج إلا أن يسمع عن طبيعة الملف أو الموضوع الذي سنعالج أو نطرق تفصيلاته ..يأتيك بالصور حتى بدون أن تحدثه أو تشرح له …يشاركك الكتابة بعدسته… اليوم تغيرت كثير من الأمور ورحل من رحل ، تقاعد من تقاعد، وبقيت التجربة صنوة للزمان …حاولنا استعادة بعضا من تاريخ مراكش الذي اشتغلت عليه الجريدة والاتحاديون بشكل غير مسبوق ..في دردشة خفيفة مع الفوتوغرافي والفنان مولاي أحمد بنسماعيل …

أهلا سيدي أحمد ..كيف حال “الصوارة “..تلك التي تقبض على العتمة والظل ..هل ماتزال هي هي …والعين اللاقطة المهووسة بالفن والعمق الجمالي  تواصل مغامراتها “الطازجة”..وماتزال ..؟ 

 الآلة الصوارة تغيرت كثيرا وانتقلنا من “البيليكير” الفيلم و “النيجاتيف ” و تحميضه..   الغرفة السوداء و إخراج الصور بالأبيض و الأسود.. الانتقال  من العملية الممتعة والرائعة  إلى الآلة الرقمية و الحاسوب   .. كلتا الحالتين لهما مميزاتهما..الجديد ليه جدة والبالي لاتفرط فيه

   حال مراكش اليوم ..ومراكش الأمس …بالطبع حدثت تغييرات ومرت مياه كثيرة ..مدينة التاريخ والفنون المغربية الأصيلة ..هل الاستثمار الاسمنتي  وهجوم ثقافة الاستهلاك  غير من المعالم العتيقة ومن الصورة التي يحتفظ بها المخيال الشعبي ..؟؟؟

شكرا سي محمد على هذا السؤال.  بالفعل مدينة مراكش القديمة تغيرت كثيرا بسبب الإصلاحات الكبيرة التي عرفتها المدينة التاريخية . فكان من اهتماماتي  هو العمل على التقاط أكبر ما يمكن من الصور عن المدينة و جدرانها و حوانيتها ورياضاتها و أزقتها و دروبها و بيوتها  العتيقة . و ناسها الحرفيين الطيبين..هل توفقت ..ما أزال مواظبا على الاقتناص والتوثيق ..لعلنا نترك شيئا مميزا للتاريخ والأجيال اللاحقة .. .

المدينة القديمة هي حجر الزاوية الثقافية والتاريخية  ..أنت إبن شرعي لها ..حومة سيدي بنسليمان ودلائل الخيرات ..”تسكع” يومي واع يلاحق كل تفصيل ..ماالذي يثيرك مع زمرة مثقفين غابوا عنها اليوم ..؟؟

  بالفعل تاريخ مراكش يوجد بالمدينة القديمة داخل السور . ومن حظي اني نشأت و عشت بواحد من أعرق الأحياء داخل هذا السور . حومة سيدي ابن سليمان الجزولي المرينية .  وحومة الأولياء و الفقهاء والصالحين و أضرحتهم..لا أعرف كيف يصبح الإنسان مدمنا على متعة الفوتوغرافيا ..الصورة هي خليط بين الأصابع والعين والآلة والإحساس والعقل …طوفان فني يجتاحك…

في الأزقة والحومات كانت “البيكالا” جزء أساسي في المشهد المحلي ..اليوم انسحبت وصغر شأنها ..هل دروب مراكش باتت تنتمي لحداثة مفترى عليها تحتفي بالجديد وتدفن القديم ..؟؟

..هذا ما يؤسف له في السنوات الأخيرة  . بدأت تقل حركة الدراجات الهوائية و حلت مكانها الدراجات النارية المرعبة . و لم نعد نرى النساء و هن على الدراجات العادية في منظر رائع بلباسهن المغربي التقليدي الجميل.. .

الفوتوغرافيا شغلتك لسنوات ..دخلت معبدها ولم تخرج لحدود اليوم ..كنت مولوعا بالوجوه ..بسحنات الناس البسطاء..”إدمان” صعب في زمن التفاهة والسطحية ..؟؟

في الحقيقة سي محمد بدأت التصوير في حومتنا . بالتوثيق لناسها من فقهاء وفنانين و أبطال . و كانت سيدي بن سليمان حومة فن الملحون بامتياز  ففيها عشنا مع شعراء وشيوخ كبار في هذا الفن . ويكفي  ذكر أسرة الفنان سي الطاهر امنزو  و أولاده.  من أهم شيوخ الملحون في مراكش و المغرب . فتولعنا معهم ..حفظنا قصائد  و سرابات من هذا الفن و نحن في بداية الشباب.. . .

للمفارقة الغريبة والضاجة بالمتناقضات ..ساحة جامع الفنا “لابلاص” عندما دخلت للعالمية وسجلت كتراث إنساني ..إنهارت فيها كل الفنون ..وتسربت البشاعة لمفاصلها …الحلقة باتت في خبر كان ..الحكواتيون ..الحكم والامثال الشعبية النفيسة…ماهذا الذي يخترقنا ..هل أصبح المغاربة موهوبون في تدمير كل جميل وقديم ..؟؟ 

الاشتغال على الحلقة و نجومها  في جامع الفنا كان واحدا من المواضيع التي عملت عليها فوتوغرافيا وقمت بالتوثيق لفناني الحلقة .. الذين لم يعد لهم مكان في الساحة بسبب احتلالها من طرف “تجار الأكل” ..  أغلب “لكلاسي” فيها للمنتخبين الجماعيين الفاسدين.  و لم نعد نرى حلقة الرواة الحكواتيين و حلقة فن الملحون و حلقة فن المديح و حلاقي الفقهاء و غيرها..جامع لفنا أفنوا فيها الثقافة الشعبية التاريخية …

في الجزئيات  كانت عدسة ويد وعين بنسماعيل حاضرة ..هل مايزال هنالك مايستحق الملاحقة والمغافلة واصطياد الفضاءات والوجوه ..أم أن “سن اليأس” بدأ يتسلل للفن والثقافة فيما يشبه الاحباط …لمن نكتب ..لمن نصور ..لمن نرسم..؟؟؟

لابد للمصور أن يعرف ما يريد و أن يبحث عنه . فالصورة دائما موجودة و يجب ملاحقتها  .. و بالنسبة لي أشتغل على مجموعة مواضيع أذهب إليها و أنتظرها .. ولا أكتفي بالصدفة وحدها.. 

اشتغلت مع كتاب تقاسموا معك قلق السؤال الفلسفي والفني …إدمون عمران ..خوان غويتسيلو..مقهى مطيش ..والقائمة طويلة ..رحلوا وبقي الخواء …..كيف ملأت  تلك الفراغات ..مع من تجر اللسان اليوم …؟؟

كان من اهتماماتي هو التقاط صور للكتاب و الفنانين تليق بهم و الذين كان أغلبهم أصدقاء. و ساعدني في هذا تواجدي بمدينة الدار البيضاء لما يقرب من عشرين سنة  . فكنت اتنقل إلى الرباط بكثرة و إلى طنجة و العودة إلى مراكش . وكانت لي صداقة مع  الكاتب الإسباني المراكشي خوان غويتيسولو  . والكاتب المغربي ادمون عمران المالح واعجابه بأعمالي..منها الفوتوغرافي و التشكيلي . و نتج عن هذا كتاب مشترك معه تحت عنوان “ضوء الظل”..  ناتج عن معرضي “آثار الليل”  .

نصيحتك وأنت ترى كثرة الكاميرات بدون صورة وكثرة التصوير بدون فوتوغرافيا ..جيل  استغرقه الديجيتال والتكنولوجيا …غابت اللمسة والحس الجمالي والمهني ..؟؟؟؟

   الآن أصبح التصوير متوفر و بامكان الجميع  و هذا جميل..  بعد أن كان مكلفا  .. و الجميع يحمل الهاتف المصور.. إلا أن قيمة الصورة ضاعت  بسبب سهولتها…والسهولة تعطي الاستسهال الذي يفضي بنا إلى الابتذال ..حفظنا الله وإياكم منه …..

 

error: