قرابين من لحم ودم أطفال أجلموس بخنيفرة قدمها الدجالون للجن في سبيل سراب الكنوز

خنيفرة: أحمد بيضي

الأرجح أن مناطق بإقليم خنيفرة المغربية تستحق أن يتهافت عليها مخرجو الأفلام السينمائية المثيرة للتشويق، وهذا الكلام يصبح حقيقة أمام كل من يزور قرية صغيرة اسمها أجلموس فيسمع ويرى كيف أن بعض الدجالين زرعوا فيها الرعب بدعوى التقرب من الجن لاستخراج الكنوز، ولا غرابة في أن تظل أسماء معينة من الدجالين حاضرة بقوة بين ساكنة المنطقة، وأخرى أوقعت بالعشرات من الأشخاص في شباكها بدعوى استخراج الكنوز واستحضار الجان.
هنا بأجلموس عاشت الجميع على إيقاع أخبار أطفال تعرضوا إما لجرائم الاعتداء الجنسي والعنف الجسدي والترهيب النفسي، وإما تم الدفع بهم نحو “المستنقع الاجتماعي” أو”المغادرة الجبرية” نحو الشارع والسقوط في ما قد يقود بهذا أو ذاك إلى “قفص الاتهام” حين لا يرافقهم المجرم/ المتهم الحقيقي الذي هو “السياسات المتنكرة لحقوق الطفل”، ولا شك أن مثل هذه الأشياء تكون قد صارت مألوفة، غير أن المثير في منطقة أجلموس تحديدا، قد يتمثل في الظاهرة الملطخة بدماء أطفال صغار اختطفتهم “الأشباح”، وافترست لحومهم في سبيل القبض على سراب الكنوز، وسواء كانت وراء الأمر أصابع مشعوذين أو مجرمين أو متواطئين يبحثون عن الثراء، فالمؤكد أن اللغز ما يزال من دون مفتاح، حيث ظل مصير المختطفين و”جزاري الأطفال” مجهولا إلى حدود الساعة.
وربما يصعب تجاهل أو تناسي أسماء أطفال مثل عتيق آيت بوصحيب والتيجاني خلوقي، أو محمد الحسيني الذي اختفى وظهر في ظروف مثيرة، وقبل ذلك لم يكن اختفاء بشرى بدر وهي في طريقها إلى بيتها بمدينة خنيفرة إلا البداية التي ما تزال حديث الأهالي، وفي كل هذا وذاك سوى مقاطع من ظاهرة غرائبية يصعب تصديقها بسهولة في عصر يتغنى بالعولمة والانترنيت وبالحرب على الأمية والخرافة، والحقيقة أن دروبه العميقة ما تزال تؤمن ب”بيضة الديك” و”لسان الحمار” و”مخ الضبع” و”يد الميت” إلى آخر “خطوط الزناتي” و”التلبيس” و”العزيمة الدرهوتية والبرهاتية، والجداول واستحضار الأرواح.

جزيرة الأوهام الشريرة       

ليس من الضروري حرمان ضعاف القلوب من قراءة الكتابات الغرائبية، أو منع القاصرين من الاطلاع عليها، لأن الأمر هنا يتعلق بحكايات واقعية جدا، وليست من بنات لسان الحكواتي أو الجدات، بل هي أحداث أغرب من الخيال كانت قد جرت بقرية أجلموس ضواحي خنيفرة، حيث يكبر السؤال ويصبح اسم هذه البلدة مرادفا لقصص الشعوذة و”فقه” الكنوز وتسخير الجن، وقد لقبت ذات يوم بـ “جزيرة الكنز”، تيمنا بالرواية العالمية الشهيرة التي كتبها روبير لويس ستيفنسون، وذلك لما تخفيه من حكايات وخرافات عجائبية ومآس لم تندمل آثارها بعد بذاكرة الساكنة.
هي أجواء كانت كافية لدفع الكثيرين من الأسر إلى منع أطفالها من اللعب بعيدا عن البيت خوفا من اختطافهم وتسخيرهم من لدن “فقهاء” الكنوز في أعمال الشعوذة، وربما منع بعضهم من متابعة الدراسة، سيما من حاملي مواصفات يبحث عنها المشعوذون، مثل “زوهري” العينين، أو صاحب كف بخط متصل، أو رأس به ما يشبه “نخلة”، وكثيرة هي الروايات السكانية حول الاختفاءات والمذابح والجن، وأي جدال في الموضوع لن يصمد طويلا أمام ما يتقاسمه السكان من “خوف موحد”ومعتقدات راسخة.
ولا غرابة في أن تجذب أجلموس إليها اهتمام وانشغال الرأي العام المغربي، وعدد من وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية التي دفعتها شجاعتها إلى اختراق “الطوطم” الذي لايزال مرعبا حتى بالنسبة للمحققين الذين لا يجرؤون على النبش عميقا في ما يتراكم عليهم من قضايا أطفال تعرضوا للاختطاف والقتل في ظروف لم تخلع عنها لثام الغموض.
أجلموس، وهي كلمة أمازيغية تعني “قب الجلباب”، تبعد عن خنيفرة بحوالي 32 كلم، والانتقال إليها يتطلب “ركوب” طريق جبلية ومتربة من دون علامات مرور، ويتطلب أيضا التجلد بما يكفي من الصبر إزاء القبول الاضطراري بـ “الاعتصار” مع الركاب الكثر في “الطاكسي” الواحدة كسردين العلب، ومقابل ما يشاع عن أجلموس من كونها “نائمة” على بواطن الكنوز يبقى وضعها المؤلم والغارق في البؤس والعزلة هو الواقع الحقيقي لحالتها، تماما مثل قدرها مع أساطير “ثور زيان” و”خنيك الدفة”، كما مع طقوس المعتقدات المنسوجة على حدودها الفاصلة بين مرقد الولي الصالح مولاي بوعزة وتل “تاباينوت” الذي لا يزال عامة الناس يرون فيهما يشبه “مغارة علي بابا” أو بوابة الراغبين في الثراء والغنى الفاحش.

عتيق الذي تحول إلى غبار

بمجرد فتح الموضوع يتجلى اسم الطفل عتيق آيت بوصحيب الذي أضحى ضربا من “علم الغيب”، أو هكذا هو مصيره منذ اختفائه في تلك الظروف الرهيبة، خلال اليوم السابع من ماي 1999، وعمره لا يتجاوز خمس سنوات، ولم يكن مرتقبا على الإطلاق أن يقع في شباك “خفافيش الشر” ممن عمدوا إلى التربص به مابين الروض (الكتاب القرآني) والبيت حيث كمموا فم براءته ونعومة طفولته، وقاموا باقتياده صوب المجهول، ولم يكن سوى ابن رجل بسيط من أهالي أجلموس، اسمه عبد الله، كان قد انتقل من حرفة الخياطة إلى حمال بعربة مجرورة، هذا الذي انتظر عودة فلذة كبده من الروض ذلك اليوم، وبعد انتظار وبحث طويل لم يستبعد الجميع أن تكون أصابع المشعوذين خلف اختفائه المفاجئ، قبل تأكد الجميع من تعرضه لعملية قتل بغاية استعمال مخ جمجمته وأعضاء من جسده الصغير في أغراض الدجل المعروفة في “استخراج” الكنوز.
وكان في العثور على ما تبقى من جثته، التي نهشتها الكلاب بإحدى غابات المنطقة، وقعه الرهيب على قلوب وأنفاس الساكنة آمذاك، وربما لم يكن منتظرا أن يخرج بعض المواطنين عن صمتهم لتزيد تداعيات الحادث توغلا في التشويق الملفوف في الرعب، عندما ظهر من يشير بأصابع الاتهام لرجل اسمه “أ” بوصفه مفتاح الحكاية، وفي تصريحات لعدد من الشهود على وثائق رسمية، مصادق عليها لدى الجماعات والسلطات المحلية، ما يفيد بأن هذا الشخص يقيم باستمرار مآدب عشاء على شرف “فقهاء” كنوز.
ومن خلال نموذج من التصريحات يشهد مواطن (ر• ع) من دوار آيت موسى بالكعيدة، أن سيدة (ي) كانت قد جاءته تسأل ما إذا كان يتوفر على رأس ماعز بغية نحره، وأثناء تجاذب أطراف حديث ودي معها، نصحته من دون مناسبة بمراقبة أطفاله الصغار، ثم أخبرته همسا بأن أفرادا من عائلتها يستضيفون “فقهاء” كنوز كل ليلة، قبل أن تلمح له بأن هؤلاء الفقهاء يبحثون عن كنز بمحيط بيت “أ”، مضيفا ذات الشاهد بأن حديثه مع المرأة لم تمض عليه إلا بضعة أيام قليلة جدا حتى فوجئ بعدها بخبر طفل لم يتعرف يومها على هويته، و قد قيل له بأن هذا الطفل تم ذبحه وسط أطلال بيت قديم بالمكان المعروف بـ “الدشر موكشيضن”، وحينها تم إشعار مصالح الدرك التي قامت عناصر منها ببعض التحريات قبل اعتقالها لشخصين.
ولم يفت الشاهد حينها الإصرار القوي على أقواله، وعلى ما يفيد بأن مختطفي الطفل كانوا ببيت الرجل المذكور رفقة ضحيتهم الذي عمدوا إلى نقله على متن سيارة احتفظ أحد المواطنين برقمها، بعد إن رصدهم زوالا وهم في ضيافة (خ• ص)، ولم يوجد أي تناقض بين ما ذهب إليه هذا الشاهد وبين ما جاء في تصريح آخر لحارس غابوي لم يفته القول ضمن شهادته بأنه عاين الفقهاء على متن سيارة مثيرة للشكوك في عدم استعمال أصحابها للإنارة رغم الظلام، وربما تأكدت تخميناته أمام ما كشفه أحد الرعاة أثناء تحدثه عن جثة طفل بالغابة (•••) وهذا تصريح صاحب الروض (أ• ب) الذي أدلى بشهادته عن شخص من جماعة سيدي احساين كان قد افشي له سر معاينته لآثار دم بإحدى الحفر، كما أن مواطنا آخر باح له أيضا بما يفيد إن كلبته أتته ذات يوم بأجزاء من جثة آدمية، ذلك قبل خروج أحد السكان عن صمته (أ• م. س) للتأكيد بدوره في شهادة رسمية على أن المدعو (أ) قد عيرته زوجته يوما بالجريمة وبالأشخاص المختطفين للطفل.
ويحكي والد عتيق آيت بوصحيب، وهو يتجرع مرارة الألم، كيف اختار اللجوء إلى عاصمة البلاد الرباط وممارسة ما يشبه التسول هناك بقصد البقاء بقرب أبواب المصالح المركزية في شأن ملف ابنه الذي اختطفه منه الإرهاب الخرافي، ولم يفته وضع قضيته أمام مختلف الجهات المسؤولة، والوقوف أمام مقر البرلمان المغربي، بعد أن انسدت في وجهه كل أبواب الأمل بمزلاج الاستخفاف.
وفي غمرة الحديث عن لغز الطفل عتيق يحكي صاحب الروض (الكتاب القرآني)، بعينين دامعتين، انعكاس ظروف الرعب على نشاطه المهني عندما طالب منه آباء الأطفال التكلف بمسؤولية إيصال أطفالهم إلى بيوتهم، ولم يتحمل ذلك قبل أن يأخذ الروض في الفراغ تدريجيا تحت تأثير أخبار “اختفاء الأطفال” إلى حد وصول صاحب الروض (ب) إلى مرحلة إفلاس درامي قاد به إلى تطليق زوجته بطفلين ليجد نفسه متاجرا في الخمور، قبل إن يأخذ ذلك بيده نحو السجن، وبعد الإفراج عنه أصبح بائعا للسجائر بالتقسيط من أجل تحصيل لقمة العيش، ويكفي مساءلة والد الطفل عتيق ليعرف الجميع أن أمر ابنه المفقود/ المغتال قد بات في طي النسيان بدءا من ملف عدد 440 الموضوع منذ سنوات أمام القضاء، والى الأبواب التي طرقها والشكايات التي تقدم بها مطالبا بإنصافه، أو على الأقل، بالعمل على الاستماع للشهود، غير أن معالم القضية ظلت معلقة إلى أجل غير مسمى.

مأدبة لأكلة لحم التيجاني

كاد أهالي أجلموس آنذاك أن تتكون لديهم صورة واضحة عما بات يهدد أرواح أطفالهم، وكم ازدادت تخوفاتهم إثر جريمة القتل المروعة التي أودت بحياة الطفل التيجاني خلوقي، واهتزت إثرها قلوب وأنفاس المنطقة بأكملها، من خلال متابعة تفاصيلها وتداعياتها، وهو طفل يبلغ من العمر ست سنوات وبضعة أشهر معدودة، كان قد اختفى في ظروف جد غامضة، يوم 17 غشت 2003، قبل العثور عليه مجرد جثة مشوهة بمكان منعزل، خلف إحدى المؤسسات التعليمية بأجلموس، وقد عمد مختطفوه إلى سلخ رأسه وقطع لسانه واقتلاع عينيه وفكه السفلي في مشهد يشبه إلى حد بعيد ذبيحة عيد الأضحى، وأمام هذه المأساة البشعة كان بديهيا أن تدخل المنطقة في دوامة من الذعر الشديد في حين حلت فرقة أمنية بمسرح الجريمة، قادمة إليه من خارج الإقليم، وهي معززة بكلاب بوليسية مدربة تم استعمالها لأجل فك ما يمكن من خيوط الجريمة وإمكانية الوصول إلى هوية الفاعلين.
وبعد تعريف الكلاب البوليسية برائحة الطفل القتيل شوهدت وهي تتجه توا صوب بيت قريب للأب (كان قد اعتقل)، وبناء على ذلك ارتقى الاحتمال من مستوى الاتهام إلى الاشتباه في علاقة القريب بعملية اختطاف وقتل الطفل، في حين ظلت الآراء متضاربة بين ساكنة أجلموس حول ما إذا كان القريب متورطا بشكل مباشر أو تربطه بالجناة علاقة ما، إذا لم يكن قد باع أعضاء من جسد القتيل لمشعوذين يسخرون الكثير من المتواطئين في الظفر بالطفل المراد استعماله قربانا للجن، سيما وأن المتهم يزاول بيع الأعشاب والحيوانات المحنطة.
ولم يتخلف والد الطفل القتيل حينها عن الجهر بتأكيد اتهامه لقريبه في أمر مقتل طفله التيجاني، عندما حل هذا الطفل يومها ببيت المتهم في سبيل استرجاع سروال كانت والدته قد أعارته إلى ابن القريب، وخلال ذلك اليوم المشؤوم لوحظ تأخر الطفل عن العودة وتم حينها استفسار القريب الذي لم يتردد في الإجابة بأن التيجاني خرج منذ فترة الزوال، وباءت عملية البحث عنه بين الأطفال والأزقة بالفشل، مما دفع بوالده إلى إحاطة قريبه المتهم بأكثر من علامة استفهام تجلى في عدم اكتراث هذا القريب بموضوع الاختفاء المفاجئ للطفل، ولا حتى مشاركة المنشغلين بالبحث عنه، كما جاءت تناقضات أقواله بما أنعش شكوك الجميع، خصوصا أثناء ادعائه بأن الطفل غادر بيته حوالي الواحدة زوالا وتأكيد أكثر من شاهد على أنهم رأوا الطفل مع قريب والده مابين السابعة والثامنة مساء.
ومن أشد التصريحات غرابة تلك التي أقر فيها والد الطفل بأن المتهم أخبره أكثر من مرة بكون طفله التيجاني يحمل عدة مواصفات يبحث عنها فقهاء الكنوز على مستوى العينين والكف، غير أنه لم يكن يتوقع أن يعمد إلى تحريض الطفل على أن يكون ابنه، كما أنه، يضيف والد القتيل، طلب ذات يوم من أخته، الانتباه جيدا من مغبة تعرض ابنتها لعملية اختطاف لكونها تحمل من المواصفات ما يبحث عنه فقهاء الكنوز، وإذا تمسك والد الطفل التيجاني بتوجيه أصابع الاتهام للقريب، فلأن هذا الأخير التقى بالمشعوذين ممن أرشدوه إلى احتراف الموت دون أن يكون أحدا على موعد مع الجريمة البشعة التي أودت بحياة الطفل بتلك الطريقة الوحشية التي قد يصعب تكرار مثلها إلا في حالة ما إذا تكلف بها “أكلة لحوم البشر” الذين تعج بأشباههم روايات “فرانكشتاين” و”دراكولا” مثلا، ولا غرابة في أن تظل أجلموس تحت رحمة كابوس ثقيل، وعيون أطفالها مشرعة على السماء كلما كبرت في معتقداتهم صور الساحرة الشريرة التي قرؤوا عنها وهي تمتطي مكنستها الطائرة، والمؤكد أن التحقيقات بقيت عاجزة عن الحد من زحف الخوف العائم.

اختفى ثم عاد من جديد

موجة أخرى من الذعر والخوف خيمت أيضا على صدر بلدة أجلموس، أمام انتشار خبر اختطاف طفل آخر اسمه محمد لحسيني، وعمره لا يتجاوز ست سنوات، ذلك حين اعتقد الجميع، بكثير من الحيرة، أنه سيلقى إما نفس مصير الطفل عتيق آيت بوصحيب، أو نهاية الطفل التيجاني خلوقي، وفي الوقت الذي كانت فيه ساكنة أجلموس مضطرة للتساؤل حول موضوع الطفل الأخير، ومدى الحقيقة في ملابسات ظروفه المشوبة بالألغاز؟! أو ما إذا كان الخبر أصلا مجرد إشاعة للعبث بأنفاس وقلوب الناس، اهتزت الأوساط المحلية على إيقاع ما يفيد بعودة الطفل وهو حليق الحاجبين بعد أن أقدم مختطفوه على هذا الفعل لأهداف لم تتضح فصولها بما فيه الكفاية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!