من المكتبة السينمائية..”أفلام مشاهدة بدقة”

قليلة هي الكتب النظرية التي تتناول الأفلام الشهيرة في تاريخ السينما بنظرة تحليلية عميقة في اللغة العربية، وقليلة هي تلك الكتب التي يمكن اعتبارها كتبا “مؤسسة” للتذوق السينمائي. ولعل كتاب “أفلام مشاهدة بدقة: مدخل إلى فن تقنية السرد السينمائي” يضيف إلى المكتبة العربية نصا بديعا يتميز بالعمق والبساطة في آن، يجنح إلى التعريف بقدر ما يتعمق في شرح مفهوم الفيلم وأهم جوانبه الفنية تلك التي تتمثل في السرد: شكله ومساره ونوعه وتأثيره وعلاقته بالحبكة وبالموضوع.

الكتاب من تأليف الناقدة الأمريكية مارلين فيب التي تقوم بتدريس علوم ومناهج السينما في جامعة بيركلي الأمريكية، نقله إلى العربية في أسلوب جذاب ورفيع الناقد والمترجم محمد هاشم عبد السلام الذي سبق له أن ترجم عددا من الكتب منها “محاورات مع أعلام السينما الأوروبية” و”الفصل المفقود في تاريخ السينما”.

يعتبر الكتاب من المؤلفات المهمة في السرد الفيلمي، من ناحية الوجهة الزمنية التي يغطيها، بداية من أعمال جريفث وزمن السينما الصامتة، وصولاً إلى تقنيات الديجيتال، مع استعراض لطرق وتطورات عمليات السرد، وكيفية إضفاء المعنى، والأفكار التي تقف وراء اختيارات المخرجين لأشكال السرد المختلفة.

ومن خلال 13 فصلا تستعرض المؤلفة تجارب أهم مخرجي السينما، الذين استطاعوا تطويرها وخلق لغة خاصة بها، ومحاولة الإجابة على سؤال … كيف تحكي السينما القصص.

“كيف تصنع الأفلام؟ كيف تسرد قصصها؟ كيف تؤثر علينا وتجعلنا نفكر؟” بهذه الأسئلة، تستهل الكاتبة مارلين فيب كتابها وتفِرد بقية الفصول في محاولة الإجابة عنها، معتمدة في هذا بشكل أساسي على إدراج تسلسلات مؤثرة لبعض من أهم وأعظم الأفلام وتحليلها لقطة بلقطة.

تقول فيب في هذا الصدد: “بعد تدريس دراسات السينما لسنوات عديدة، تعلمت أن المشاهدين الذين تدربوا على التحليل الدقيق لتسلسلات فيلم ما بمفردها قادرين بصورة أفضل على رؤية وإدراك الثراء البصري والتعقيد السمعي للوسيط السينمائي”.

تبدأ فيب رحلتها مع السينما الروائية عند بداياتها الصامتة، وتختتم آخر فصولها مع قدوم عصر الديجيتال، وبين هذا وذاك، أحد عشر فصلا تشرح في كل منهم مرحلة فارقة في تاريخ السينما عن طريق اختيار واحد من أهم مخرجي تلك المرحلة وإبراز أهم سمات أسلوبه متبوعا بتحليل لتسلسل من أحد أفلامه. فيتناول الفصل الأول على سبيل المثال بدايات السينما عبر أعمال المخرج الأمريكي د.و جريفيث ويناقش إسهاماته العظيمة التي تظل مؤثرة ليومنا هذا، وفي نهاية الفصل، نجد تحليلا لتسلسل من فيلمه الشهير “مولد أمة”.

سيجد أي مبتدئ في القراءة عن السينما في هذا الكتاب بداية رائعة، حيث يعرفه بشكل بسيط وبلا أي تعقيد على أهم المدارس السينمائية ويرشده لكيفية تحليل المشهد خطوة بخطوة، كما سيعلمه أيضا فن قراءة الصورة والتفكير في مدلولاتها ومعانيها، تقول فيب: “يعمل الكتاب عن طريق إرشاد القراء خلال الأعمال الكبيرة المهمة في فن السرد السينمائي ويقدم لهم آراء نظرية عن كيفية خلق التقنيات السينمائية وإبرازها للآثار السينمائية السردية والأيدلوجية والعاطفية”.

error: