قيادة الجزائر تتسلى بالعلاقات العامة بينما البلاد تتوغل في الأزمة

     طالع السعود الأطلسي

 

منذ 13 نوفمبر الماضي، حين حررت القوات المسلحة الملكية معبر الكركرات من شعننة حشد البوليساريو… وأمنت المنطقة، العازلة بين المغرب وموريتانيا، لجريان التنقل الدولي، الإنساني والتجاري…  منذ ذلك التحرير الأمني والسلمي، والذي حاز مباركة وتحيات وطنية وعربية وعالمية… انطلقت في الجزائر، عملية “تحرير” بيانات بمضمون عسكري، وهي متواصلة حتى الآن، تحكي عن غارات وقصف ميلشيات البوليساريو لمواقع التواجد العسكري المغربي في الجدار الأمني وغربه… بيانات تحرر في مكاتب القرار الجزائري، تذيل بتوقيع البوليساريو وتوزعها وكالة الأنباء الجزائرية… البيانات تلك تتحدث عن إصابات بالمئات في الأرواح وتحطيم آليات وتخريب متاريس ودليلها أعمدة دخان تشاهد عن بعد، متصاعدة إلى السماء… ولا شيء من كل ذلك رآه أهلنا في المدن والقرى الصحراوية المغربية المذكورة في البيانات، لا رآها مراقبو المينورسو، المعنيون بمراقبة وقف إطلاق النار… ولا كان لها صدى، جدي وموثوق، في الإعلام الدولي… ولا صورته، وأخبرت به الأقمار الصناعية الموجهة بدقة من السماء إلى المنطقة، والتابعة للدول العظمى… ولكنها بيانات لا تهمها الحقيقية… هي تسعى إلى أن تحول كذبتها إلى حقيقة، بقوة التكرار، تطبيقا لدروس الدعاية النازية لمؤسسها السيد غوبلز… الجزائر، عبر صوت البوليساريو، يهمها أن تحرض العالم ضد المغرب، بتعلة أنه يخرق اتفاق وقف النار لسنة 1991، مع أن البوليساريو هي من لا يتوقف عن “الزهو” بأنها تطلق النيران ودون رد من القوات المغربية… ومعنية أكثر بأن تصرخ ضدا على قرارات مجلس الأمن الأممي، لتردد بأن لا حل إلا عبر إجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء. مع أن الجزائر والبوليساريو هما من عرقلا عمليات تحديد هوية الناخبين المحتملين في الاستفتاء… وذلك ما عاينه وتأكد منه المبعوث الأممي، الأمريكي جيمس بيكر، مستشار شركات البترول والغاز الأمريكية والصديقة للغاز الجزائري، ليستنتج ويقترح على مجلس الأمن سنة 2004، استحالة إجراء الاستفتاء وترسيم التوجه نحو الدعوة “للبحث عن حل سياسي متفاوض عليه”… بعد أن كان اقترح تقسيم الصحراء بين المغرب والبوليساريو، ورفض المغرب المقترح لأن الصحراء مغربية وليست كعكة، قابلة للتقسيم  لإرضاء الأطفال المتخاصمين حول حصصهم منها… ومنذ 2004 ومجلس الأمن “يعجن” قراره ويدعكه، ويطوره بحسب التفاعل الدولي مع النزاع… إلى أن استقر في صيغته الحالية، لأكتوبر 2020، والتي تدعو إلى “حل سياسي واقعي، براغماتي ومستدام… يقوم على التوافق”. وقد خلا القرار من أية إشارة إلى استفتاء تقرير المصير، بينما يلح على الحل السلمي في أكثر من فقرة.

مجلس الأمن، هو مؤسسة دولية عاقلة، وقراراته تبلورها توجهات دولية، وعادة مخاضها عسير… في الحالة التي نحن نعرضها، نما القرار الأخير عبر حوالي 16 سنة من الشد والشد المضاد… وضمن القرار تجديد المسار التفاوضي، والذي أدرجت فيه الجزائر طرفا بين الأربعة… تلك الجزائر التي قال المعبرون عنها، مؤخرا، أنهم طرف فاعل في النزاع، بعد سنوات من الاختفاء وراء زعمهم بأنهم مجرد نصير لحركة “مناضلة” ولا دخل لهم في صراعها مع المغرب… وتلك الجزائر، أيضا، التي تتصرف، اليوم بحماس لنسف الشرعية الدولية، وتتحرك خارج محدداتها. ليس على مجلس الأمن أن يعطس كلما أصاب الزكام الجزائر.

ليست تلك البلاغات النارية، ولا البيانات المصاحبة لها، هي ما يحد أو يشغل تحركات الديبلوماسية المغربية، وهي ترافع وتدافع عن حق وطني مغربي، تستشعره قرارات مجلس الأمن، وتسنده التطورات السياسية الأخيرة، والتي أضافت انتصارا لمغربية الصحراء،  دولا بثقل ضاغط لحمل مقترح الحكم الذاتي الذي بادر به المغرب… قوة الديبلوماسية المغربية يغذيها الحق الوطني الذي تنافح عنه، وتشرعنها فعاليتها في منطقة افريقية بالغة الحساسية…. منطقة باتت لها في التعاطي الجيواستراتيجي الدولي محددات وتوجهات للتصدي لمخاطر وتهديدات كامنة فيها، لها وللجوار المتوسطي… وذلك ما لم تدركه بعد القيادة الجزائرية، والتي تعبر، إذا ما تمكنت من العبور، مرحلة ارتباك قيادي، غير منتبهة للتحولات داخل الجزائر نفسها… فكيف تكون جاهزة، وحتى عابئة، لتفطن لمجرى التاريخ، وتدير دفة القيادة نحوه.

الدولة في الجزائر مسكونة بالماضي ومغلقة لا على الحاضر ولا على المستقبل… فاقدة لشرعية الانجازات اليوم. تعيش على أمجاد شرعية حرب التحرير وتستحلب يوميا تضحيات شهداء الكفاح ضد الاستعمار… بعد حوالي ستون سنة… “جزائر المليون شهيد” هو بداية ونهاية حديث أي مسؤول جزائري… “للشهداء حرمتهم وعليهم الرحمة… غير أننا في زمن يعبر فيه الحراك الشعبي الجزائري عن ضيق الملايين في الجزائر من دولتهم،  وعن اختناق آمالهم وتعاظم آلامهم في بلدهم. “الجزائر توجد في مفترق طرق، هي في حاجة إلى إصلاحات شاملة في جميع القطاعات الاجتماعية، الاقتصادية وفي الحكامة، من أجل إعادة بناء العقد الاجتماعي، بين الدولة وبين المجتمع الجزائري، وضع حد للمأزق ما بين الحراك والنظام”… هذه خلاصة تقرير لمعهد إفريقي للدراسات والأمن، نشرت محتواه صحف جزائرية. التقرير يضيف “عدم اليقين السياسي وتصاعد التوترات الاجتماعية، يعكسان النظام الاقتصادي والاجتماعي الفاقد للصلاحية والمتحكم في الجزائر”.

إنها دولة ذاهلة عن مصالح بلدها، دولة ترعى فقط  مصالح جنرالاتها، تجتهد فقط في إنتاج الأزمات… داخل البلاد وحواليها. وتحصد فقط، الفشل داخل البلاد بدلالات الحراك الشعبي العارم والناهض في ذكراه… وتجني الخيبة حواليها، بدلالات عزلتها الديبلوماسية وشرودها عن الواقعية السياسية. دولة لا تملك سوى بالونات البيانات والتصريحات السياسية، أمام وضعها هذا، للتغطية عن أزمتها البنيوية ولافتعال بطولات هي مجرد فقاعات.

يبدو أن قيادة الجزائر تتسلى، وبحماس، ببيانات وتحركات من جنس عمليات العلاقات العامة، التي تصدر من الجزائر وتقع فيها أو التي تكتب من محبرة رغبات قيادتها… عمليات عديمة المفعول، وشاردة عن الجدية… لأنها تردد صراخا سياسيا، مستهلك ومن أرشيف عقود مضت، وغير متوافق مع تطورات قضية الصحراء المغربية وسياقات تفاعلاتها الدولية… ولا مع الاستعداد الدولي، للتعاطي معها… لا تبالي في أن تحشر في حملتها ما تهالك من تجمعات وتنظيمات… مثلا، اللجنة الدولية للقانونيين الديمقراطيين (البعض يسميها الرابطة الدولية للحقوقيين الديمقراطيين) أصدرت بيانا في شكل رسالة إلى مجلس الأمن… بيانا، لا يعرض لا على الحقوقيين ولا على القانونيين ولا على العقلاء… بيان خال بالكامل من أي مرجعة حقوقية أو قانونية، من حيث الادعاء ومن حيث الصياغة… بيان لا صلة له بالأدبيات الحقوقية وبحذرها وبتنسيبها للأحكام والخلاصات… بيان كتبه مبتدئ في اليسارية الطفولية، جمع فيه مزاعم البوليساريو والجزائر، وحتى، لم يستحي ولم يداري، حين أدرج فيه تصريحات لممثل للبوليساريو دون غيره، ليكون المشتكي، الباكي والحكم  … إمعانا في الكشف عن هوية صاحب البيان ومصدره… ولأنه المشحون، ومجرد حاقد، صور المغرب، وبدون أي تحري ولا توثيق ولا مرجع يصدق على الادعاء، في شكل أنه دولة بطش وقمع فقط، دولة أعدمت الحريات وتعيث في الساكنة خطفا وقتلا وتنكيلا… وفي الصحراء بالذات، حيث الحياة الديمقراطية مفعمة بالحيوية وبالتدافع الحزبي والجمعوي، وحيث يمرح بعض المغاربة ويجهرون انتمائهم للبوليساريو، بدون حرج، مستفيددين من حقوق ومساحات وأدوات الحركية الديمقراطية في المغرب عامة وضمنه صحراؤه … وفي هذا المغرب الذي أسس نظامه السياسي وبنياته الاجتماعية على الاختيار الديمقراطي، هذا المغرب الذي عمق البعد الحقوقي في حكامته، بحيث أن مصداقية المجلس الوطني لحقوق الإنسان وآلياته الجهوية في الصحراء محط التقدير الدولي ومن الأمم المتحدة أساسا، ومن آلياتها المختصة بحقوق الإنسان.

البيان صور المغرب، عرقل عمل كل مبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة، ويعرقل عمل المينورسو بشكل دائم ومنهجي. ما هذا الافتراء وهذا الهراء… جمعية تقول عن نفسها حقوقية أو قانونية وديمقراطية ودولية، وهي ليست كل ذلك، حين تتجاهل قرارات مجلس الأمن، وتتعامى عن المسار الطويل من عمل المنتظم الدولي لتطوير قراراته وإعمالها قاعدة لحل النزاع… وتفتري على المغرب، ضد الأمم المتحدة، بينما لا أحدا اشتكى من المغرب في الأمم المتحدة، وفي جميع تقارير الأمناء العامين المتعاقبين. ليست الدقة ولا الموضوعية هما يشغلان تلك الجمعية، الهرمة في عمرها وفي “حقوقيتها” وفي لغتها… يشغلها، فقط، إرضاء القيادة الجزائرية والتسلية عنها في محاولة لتبديد كآبتها السياسية.

القيادة الجزائرية، لابد وأن تتخلص من آفات وضعها الراهن… وأن تتعاطى بالجدية الواجبة مع التطورات السياسية، التي حركت ملف منازعتها للمغرب حول صحرائه، وفتحته على ديناميكية جديدة… ديناميكية بالإمكان أن تساعد الجزائر وتمدها بما يجعلها مفيدة لأهلها ومستفيدة من جيرانها.

error: