جرائم « بشعة” في الشارع العام .. رصد للظاهرة ومحاولة فهمها

ياسر العثماني

مراهقون وشباب أبطال مقاطع فيديوا، يتم تداولها عبر مواقع التواصل الإجتماعي، توثق لجرائم دموية بشعة تقشعر لها الأبدان، جرائم ذبح من الوريد إلى الوريد، وجرائم طعن وبثر للأجزاء من الجسم بدم بارد، لأسباب تافهة. ومقاطع أخرى تظهر عددا من الشباب و المراهقين، يتفاخرون بإستعمالهم لأسلحة بيضاء، بمختلف أنواعها وأحجامها، في مشاهد تبرز لنا الكم الكبير من العنف و النزعة الإجرامية الموجودة لدى هذه الفئة.

“أنور بريس” تسلط الضوء هذه المرة عن الأسباب والدوافع، التي تساهم في جعل الظاهرة تطفوا على سطح المجتمع المغربي. وترصد الأسباب الرئيسية وراء تفاقم وتنامي النزعة الإجرامية لدى الشباب، وتجيب عن مجموعة من التساؤلات، على لسان خبراء وأساتذة في هذا المجال. 

جرائم على الطريقة “الداعشية” … “لأسباب تافهة”

تناسلت في الآونة الأخيرة مواقع التواصل الإجتماعي، عددا من الفيديوهات التي توثق لجرائم عنف بالأسلحة البيضاء، وبطرق بشعة على ضحايا وسط الشارع العام.

أناس وقعوا في فخ الجريمة، و كانوا أسرى لإندفاعهم، ليعمدون على القيام بجرائم في حق أشخاص لا تربطهم به صلة، والسبب أقل ما يقال عنه ”بالتافه”.

ذبح من الوريد إلى الوريد، عنوان جريمة قتل أهتزت لها مدينة فاس، وراحت ضحيتها أمرأة، حينما أقدم شخص على ذبحها في الشارع، بعدما عاتبت الجاني إعتدائها على إبنها، الشيء الذي أستفزه، ودفعه لذبحها بدم بارد في مشهد مرعب. 

حالة ذبح أخرى، وهذه المرة، في مدينة الجديدة وبالضبط دوار “الظحاك”، بعدما أقدم شاب في العشرينات من عمره على ذبح زميله من الوريد إلى الوريد، بعد أن نشب بينهما سوء تفاهم بسيط، سرعان ما تعالت على إثره المشادات الكلامية، ليتحول إشتباك بالأيدي، إلى جريمة قتل بشعة.

تبقى  فعل الجريمة واحدة، لكن تختلف من طريقة لأخرى، هذه المرة من مدينة أكادير، والتي شهدت بدورها جريمة قثل بشعة راحت ضحيتها سيدة مطلقة، بعد أن قام شخص بطعنها ثلاثة طعنات على مستوى القلب، ودهسها بسيارة الدفع الرباعي، في مشهد تغيب عنه الرحمة والإنسانية.

هذه المرة 50 درهما كانت سببا كافيا لدفع شاب بالقيام بجريمة قتل، ذهب ضحيتها شاب عشريني يقطن بمدينة القنيطرة، بعدما تلقى طعنة غادرة بسلاح أبيض من صديقه في البطن، بعد خلاف بسيط حول مبلغ مالي يقدر ب50 درهم، للتطور مشادة بالأيدي، قبل أن يستل المتهم سكينا من تحث ملابسه ويوجه طعنة إلى زميله ليمزق أحشاءه.

إرتفاع النزعة الإجرامية مؤشر على وجود خلل في البنية الإجتماعية 

إرتفاع النزعة الإجرامية لدى الشباب، يحتاج إلى تأطير سوسيولوجي، لرصد التحولات التي تعرفها منظومة الجريمة بالمغرب، حيث صرح الدكتور محسن إدالي ل”أنور بريس” أن موضوع إرتفاع النزعة الإجرامية لدى الشباب المغربي، أمر في غاية الأهمية والخطورة والحساسية، لإعتبارات متعددة، إجتماعية وسيكولوجية وقيمية واقتصادية وثقافية متفاعلة ومعقدة ومتطورة في المكان والزمن.

وقال محسن إدالي، الواضح أن المقاربات والنظريات، التي تناولت هذا الموضوع، سواء في علم النفس أو علم النفس الإجتماعي أو علم الإجتماع، وبالرغم من تعدد مسالك التحليل والتشخيص وتنوعها، وإختلاف أليات إشتغالها، نجدها تقر جميعها أنه من الصعب حصر وتحديد الأليات التي يشتغل بها فكر الإجرام وثقافة الجنوح.

فهي متفاعلة ومترابطة وغير محددة، على إعتبار أنها مرتبطة بالسياق والمرحلة والظروف السائدة على إختلاف إمتداداتها الإجتماعية والإقتصادية والقيمية والسياسية، سواء تعلق الأمر بما هو محلي أو ما هو إقليمي أو ما هو عالمي. على أن إرتباط فئة الشباب بهذه الظاهرة ليس مطلقا، حتى ولو أكدت ذلك الإحصائيات الرسمية، فهو نسبي إلى حد بعيد.

وأضاف الدكتور محسن إدالي، أن ظاهرة تبني ثقافة متطرفة، سواء على المستوى الفكري أو على المستوى السلوكي المادي، أو على مستوى التمثلات والأفكار، نجدها غالبا تمارس في إطار سياقات خاصة ومحفزة، إلى درجة انه بإمكاننا أن نتحدث، عن البيئات المولدة لثقافة الإجرام بكل أشكالها، المادية والرمزية، الواضحة والمخفية.

ووضح محسن، إن الجنوح للجريمة ليس غاية في حد ذاته بالنسبة لمن يمارسه أيا كان سنه، ولكنه تعبير خطير ومؤشر واضح على أن منسوب الإختلال الإجتماعي، والثقافي والإيديولوجي والإقتصادي، وصل إلى مستويات خطيرة، أصبح معها التحكم في البنيات الإجتماعية صعبا وغير متحكم فيه.

والتي تتمثل في ظاهرة “التشرميل” والإبتزاز، والجريمة الرقمية وإعتراض السبيل تحت التهديد بالسلاح، وكل اشكال الغلو والتطرف القيمي والفكري، وتقهقر القيم الوطنية و عدم الإكتراث للأبعاد الهوياتية والوطنية.

المجرمون… ” ضحايا فراغ نفسي، وإستفزاز مجتمعي”

يرى علي الشعباني أخصائي في  الطب النفسي، أن الظروف الإقتصادية المتدنية التي تعرفها البلاد هذه الأواخر، أفرزت لنا نماذج إجتماعية مشوهة. بقوله أن الجريمة أو فعل الجريمة، دائما يأتي بعد الإحساس بفقدان الشعور بالإيجابية، وإلى الفراغ النفسي، فهذه الزيادة الملحوظة في معدل الجريمة، وكذلك الطريقة البشعة التي تنفد بها الجريمة، هي فقط إنعكاس وتفريغ لمجموعة من الأحاسيس المكبوتة و تراكم  للطاقة السلبية، في نفسية الشخص، الذي ممكن أن ندخله في خانة “الضحية”، لأنه ضحية مؤسسات لم تستطع أن تحقق له المطلوب ليجد نفسه وضالته فيها.

وأضاف الدكتور علي الشعباني، أن هناك عامل مهم في إرتفاع نسبة هذه الظاهرة، وهي بداية إندثار الطبقة الوسطى، وتوسع الهوة بين الطبقات الأجتماعية، الذي ينتج عن هذا الأخير، إحساس بالظلم المجتمعي والإقتصادي، ويتولد عنه سلوكات عنيفة وغاضبة، رغبة في الإنتقام.

وأبرز لنا علي الشعباني، إضافة إلى الأسباب الإقتصادية، هناك أمور مرتبطة بالقيم و الأخلاق، وهذا راجع لتغير القيم داخل المجتمع الواحد، الأمر الذي ولد خلل في ديناميكية النفسية لدى الأشخاص، الذي ينتج عنه عنف مادي من قتل، وإغتصاب، مما أدى لانهيار كامل للقيم والإحترام. والتطبع بأمور غريبة عن الثقافة والخصوية المغربية، هذا راجع لعوامل كثيرة.

وشدد علي الشعباني، أن للإعلام دور كبير في إشعال فتيل الحقد، والغل لدى الشباب، وذلك من خلال الترويج لمظاهر الترف من خلال المسلسلات، التي تعتبر سلاح عنيف تجاه العائلات الفقيرة، مما يولد لديهم الإحساس بالعجز، و يذكرهم بالمكانة الإقتصادية المتدنية الذي يعيشون فيها.

التوعية والتنشئة والتأطير التربوي.. سيساهم بشكل كبير في التقليل من الجريمة

لا غرابة أن ترى إنفلاتات أمنية، ومشاهد دامية، وجرائم بشعة، من ضرب و جرح وتقتيل، وشحنات كبيرة من الغضب والعنف،  ذاخل مجتمع تغيب عنه المرافق التربوية والترفيهية، هذا ما بدأ به هشام بوزكار، “كوتش” في التنمية الذاتية، حواره مع”أنور بريس” ، حيت أبرز لنا أن المجال الذي يفتقد لمثل هذه المرافق، يكون مرتع خصب للإنحراف و الإدمان، الأمر الذي يؤدي إلى إختلالات وتجاوزات وخروقات سافرة للقانون.

   وأشار أن حان الوقت لإعادة النظر، في طريقة التصدي للجرائم، وإستبدال الطرق الزجرية والقمعية، لأن السجون إمتلأت،  فالحل الوحيد لمحاربة هذه الظاهرة، العمل على رسم خطة من طرف المسئولين و المدنيين،  كما يجب إعادة النظر في المنظومة التعليمية والتربوية، والعمل وفق دراسة ميدانية لإستأصالها من جدورها. وكذلك تركيز الجهات المعنية على مواجهة تنميط الفرد من مستهلك، وتحفيزه على الإنتاج داخل المجتمع. ليكون فاعل وليس عائق في وجه عجلة التنمية، بإعتبار الشباب أعمدت البلدان، واللبنة الرئيسية للمجتمعات للدفع بها نحو الأمام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.