حركة 15 ماي 1968 تعود للواجهة في ظل احتجاجات السترة الصفراء

زيد فاخي

أدت السياسات الاقتصادية للرئيس الفرنسي ايمنويل ماكرون إلى سخط شعبي، تحول هذا السخط إلى مظاهرات عمت باريس ومدنا أخرى، خصوصا مع ارتفع ثمن البنزين ب 3,9 سنت، هذه المظاهرات الباريسية  أو مظاهرات السترات الصفراء أعادت للأذهان ما كان في 15 مايو 1968، حيث خرج طلاب جامعة السوربون ضد نظام شارل ديغول وقد انفجرت هذه الأحداث كنتيجة لتراكمات فرضتها ظروف محلية ودولية مهمة على المستويين السياسي والاقتصادي منذ بداية الستينيات.

السياق السياسي

خرجت فرنسا والحلفاء منتصرين من الحرب العالمية الثانية لكن هذا الانتصار أنهك القوى القديمة (فرنسا، إنجلترا) لحساب القوى الجديدة (أمريكا، والاتحاد السوفيتي) ، فقد بدأت فرنسا وانجلترا بفقدان مستعمراتها شيء فشيئا، وكانت الضربة الكبرى لفرنسا هي خسارتها للجزائر، وإلى جانب ذلك وداخليا  كانت السياسة الحديدية التي أنتهجاها ديغول تلقى معارضة خصوصا من اليسار ، هذا بالإضافة حالة من الحنق الشعبي تسود البلاد بسبب تقييد الحريات من قبل نظام الجنرال ديغول والتضييق على المفكرين وأهل الأدب والسياسة بحجة الأمن وحماية الجمهورية ومبادئها  وارتفاع الأثمان والأزمات الاقتصادية كل هذا شكل ضغط على حكومة دومنيك دو فيلبان ، أما على المستوى الميداني فيعد يوم 22 مارس من أهم الأيام ، لأنه يرمز لحركة فوضوية، قام بها طلبة جامعة نانتير. فبعد توقيف الشرطة لعدد كبير من الطلبة خلال حركة احتجاجية ضد حرب فيتنام، قرر زملاؤهم الاعتصام في قاعة مجلس الجامعة بهدف الضغط على الشرطة للإفراج عنهم. هذه الأحداث شكلت كرة الثلج التي تدحرجت ، حيث اندلعت تظاهرات أخرى في أماكن عدة، فخلال احتلال الطلبة للجامعة تضاعفت الأحداث، مما دفع عميد الجامعة إلى إصدار قرار بغلق الجامعة وتوقيف الدراسة في 2 مايو، ولكن عكس التوقع وبدل ان يخمد هذا القرار الحركة الاحتجاجية، فقد أشعلها، حتى تحولت الى مواجهات عنيفة. تخللتها تظاهرات  شهدتها جامعة السوربون ،. أدت المواجهات في ذلك بين الطلبة وقوات حفظ النظام إلى اعتقال 600 طالب مما دفع زملاءهم الى نقل التظاهرة الى شارع ميشلان، وقد بدأت ازمة مايو 68 فعلا في ذلك اليوم في الشارع اللاتيني في باريس، حيث استخدمت الشرطة القنابل المسيلة للدموع والعصي في قمع الطلبة، لتتحول ثورة الطلبة في الجامعة إلى اضراب عام ثم ازمة اجتماعية عامة.

ثورة قادها المثقفون

شارك إلى جانب الطلاب والعمال رجال الفكر والثقافة والفن والسياسة لعل أبرزهم الفيلسوف  جون بول سارتر رائد الفلسفة الوجودية التي تميل إلى الحرية وإعلاء قيمة الفرد لهذا كان من الطبيعي أن يشارك سارتر في هذه المظاهرات وإضافة إلى سارتر شارك الفيلسوف الآخر ميشال فوكو الذي تأثر بالبنيويين ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه “تاريخ الجنون”, وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون.وجيل دولز الذي انتقذ جميع الفلاسفة  الذين سعوا  إلى الغاء الاختلاف وكأنه شر عن طريق اخضاعه لمبدأ التوحيد والهوية الاعلى، ومن هذا المنظور ينتصر ضد افلاطون للسفسطائيين لانهم حملة الاختلاف، هذه الحركة شكلت بما يمكن الإصطلاح عليه عصر أنوار جديد. و لم تكن أحداث انتفاضة ماي 1968 في فرنسا مجرد مرحلة تاريخية عابرة علا فيها صوت الطلاب ضد القيود التي تكبلهم فحطموها، بل كانت محطة مهمة وثورة غيّرت وجه البلد تماما وما تزال آثارها وتداعياتها ممتدة إلى اليوم، والدليل ما صرح به الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي السابق  في بداية عهده عندما قال إن من أهدافه القضاء على ميراث حركة ماي 1968، لأنه -ككل اليمين في فرنسا- يعتبر أن تلك الحركة شكلت تهديدا للسلطة وشوهت المعايير السلوكية لدى المواطنين ودفعتهم إلى الاستخفاف بقيمة العمل في الوقت الذي يرى خصومهم أنها النقطة التي سمحت بالتأسيس لفرنسا جديدة عنوانها الحرية والعدالة الاجتماعية.

حاضر يذكر بالماضي

كان حل الجمعية العامة هو نتيجة الأبرز لمظاهرات 1968 ثم استقالة دومنيك دو فيلبان لكن النتائج بعيدة المدى هي من التي أعطت لمظاهرات 1968 زخمها الحقيقي فرغم استمرار اليمين الفرنسي في سدة الحكم  الى أن مظاهرات 1968 أًصبحت رمزا للحركات الاحتجاجية وجيل جديد من الاحتجاجات عززت حقوق الفرد وحريته ورفعتها الى مصاف مهمة وانتزعتها من سلطة لم تكن ترغب في اعطائها، بع ذلك رفعت القيود عن كل شيء: الصحافة، المسرح، الأدب، الكتب، وأصبح من الممكن التعبير بحرية وانتقاد النظام وممارساته الاستعمارية وكشف وسائل تعذيبه والتأكيد على حرية أهالي المستعمرات في الاستقلال، ويؤكد ان آثارها على فرنسا اليوم لا تقل أهمية عن آثار الثورة الفرنسية عام 1789 والشعارات التي رفعتها.  والسؤال الذي يطرح هنا هل يستفيد ماكرون من تجربة ديغول ؟ وهل تكون لاحتجاجات السترة الصفراء نفس أثر احتجاجات طلبة السوربون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.