واقع “التمكين السياسي للمرأة” بين التطبيق المحتشم والتفعيل المتعثر

  • فتيحة حروش (°)
مشاركة المرأة في الحياة السياسية مطلب يفرض نفسه بقوة، إذ أن التطور الذي يعرفه المشهد الديمقراطي، والتوجه العام، لخلق دولة اجتماعية قائمة على عدالة ومساواة واستثمار لكافة طاقات مكونات مجتمعها، يفرض هذه المشاركة، ويصعب تحقيق أي تطور – خاصة على مستوى ترسيخ الممارسة الديمقراطية في مجتمعنا – دون مشاركة وإشراك نصف المجتمع، في تنزيل السياسات بل وعلى مستوى صياغتها واتخاد القرار..
وهنا يكمن جوهر التمكين السياسي للمرأة، أي تواجدها بمراكز القرار وتمكنها من قوى وفرص التغيير، ولو أن هذا المطلب يصطدم، في كل حين، بعدة اكراهات تحول دون تحققه، وبالتالي دون بلوغ تمكين سياسي ناجع للمرأة، ففي ظل غياب إرادة حقيقية من طرف الهيئات السياسية من داخل الحكومة، والأحزاب والبرلمان والمجالس، في إشراك المرأة وتوفير فرص متساوية بينها وبين الرجل في بلوغ مراكز القرار، يحول دون تفعيل دورها السياسي.
هذا إلى جانب المعيق الثقافي المرتبط بمفهوم النوع الذي يختزل المرأة في دورها الإنجابي فقط، ويقيد حضورها ومساهمتها في الحياة السياسية للمملكة، كلها عوائق وأخرى تكبح سرعة الدينامية الديمقراطية للمغرب، إلا أنه بالمقابل، وبالرغم من غياب مساواة بالفرص، نقف على مدى الإصرار الكبير من طرف المرأة المغربية في الحضور بالمشهد السياسي، وتشبتها بواجبها في مشاركة سياسية ناجحة..
 ذلك، علاوة على أن مساعي التنمية واكراهاتها تفرض على المرأة ذاتها الانخراط بشكل قوي في تسيير شؤون البلاد، حيث لم تعد المرأة اليوم مجرد مستهلك فقط بل منتج، سواءً عن إدراك ورغبة أو مكرهة على ذلك، وقد أصبحنا  نسجل بالملموس تفوق ونجاح المرأة، اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، مقابل قدرتها على تسيير مؤسسات اقتصادية وازنة عالميا، وعلى قيادة أبحاث علمية غيرت مجرى العالم..
والمؤكد أنه في ظل غياب قيادات نسائية قادرة على إثبات دور وضرورة تواجد المرأة بالحياة السياسية، وتمكينها السياسي، يبقى تواجد النساء بالمشهد السياسي محتشما جدا ومقتصرا فقط على دورها كمنتخبة تدلي بصوتها يوم الاقتراع، وهو الأمر الدي يخلق ارتباكا بصورة المغرب الخارجية فيما يخص التواجد الكامل للمرأة بشتى مناحي حياة المملكة..
وتبقى الاستحقاقات الأخيرة خير تمرين على أن تنزيل المسار الديمقراطي الذي تسير عليه البلاد مازال يعرف تعثرات بالرغم من أننا لمسنا تحسنا طفيفا بتمثيلية النساء داخل المجالس، خاصة على المستوى المحلي، الا أنها كانت ضربة قوية لكل المساعي التي عملت على تثبيت مشاركة المرأة السياسية، وعلى رأسها دستور البلاد الذي سن وطالب بتنزيل المناصفة..
ولابد من الإشارة أيضا للجمعيات النسائية التي كثفت من جهودها على التحسيس والتوعية والترافع بضرورة بلوغ المناصفة و تحقيقها بمجالسنا المنتخبة على جميع المستويات، إذ أن المشاركة السياسية للمرأة لا تقتصر فقط على وجودها كعدد بل من اليقين أن جوهر هذه المشاركة هو بلوغ المرأة لمركز القرار وتمكينها من القوة والقدرة على صنع التغيير..
على المستوى المحلي، نختار نموذج اقليم خنيفرة ، حيث لوحظ، من حيث العدد، وجود ارتفاع بما يعادل 20%، وهو أمر محمود يدل على بداية تكون وعي سياسي وحزبي لدى نساء المنطقة، وعلى رغبة المرأة بهذا الإقليم بالتواجد بالمشهد السياسي، الأمر الذي تؤكده أيضا نوعية المنتخبات لهذه الفترة، إذ أن معظم المنتخبات متمرسات بالمجتمع المدني، مستوى ثقافي وتعليمي عالي، وعوامل أخرى كانت لتجعل منهن صانعات قرار..
إلا أن ما جاءت به تشكيلة المجالس بهذا الإقليم كان مخيبا للأمل، وضاربا لكل مجهودات البلاد في تمكين المرأة سياسيا، حيث أن تولي مناصب ومراكز القرار بقي حكرا على الرجل، ففي 22 جماعة ليست بها ولا رئيسة واحدة، وهو الأمر الذي سلط الضوء أكثر على أن المرأة داخل المجالس تعتبر فقط أداة للتصويت، لا للاقتراح والنقاش المثمر، لنجد ان ثقافة  “انتِ غِير امْرا” تطفو على سطح المشهد السياسي المحلي من جديد..
أما فيما يخص المجتمع المدني المحلي، ودوره في التمكين السياسي للمرأة، يبقى مهما جدا وفارضا نفسه، بل أنه من واجب العمل المدني إنتاج نخب سياسية وقيادات نسائية محلية، من خلال الانخراط أكثر فأكثر بالمشهد السياسي، من حيث التتبع والتقييم، والسعي الى تجويده وإدراجه ضمن مشاريعه المواكبة للتطور التنموي والمسار الديمقراطي للمملكة..
إن العمل على ثقافة السياسة للجميع، والترافع من أجل المساواة في بلوغ الفرص بين المرأة والرجل، وكذا العمل على تقوية الفاعلات السياسيات وتمكينهن من مهارات وسبل بلوغ مراكز القرار، تفعيلا لمضامين الدستور والقوانين الوطنية، وكذا المعاهدات الدولية التي انخرطت بها المملكة، يبقى كل ذلك من أهم أدوار منظمات الفعل الجمعوي لأجل التمكين السياسي للمرأة..
وإلى جانب دوره في تمكين المرأة من المشاركة السياسية، لا بد للمجتمع المدني، بكل شرائحه وتوجهاته ومجالات اشتغاله، من الانخراط المسؤول والميداني في تنزيل أليات الديمقراطية التشاركية وميكانيزمات التشاور العمومي، التي تعتبر بوابة مفتوحة أمام كافة المواطنات والمواطنين ببلادنا، وكذا عموم الفاعلات والفاعلين المدنيين للمشاركة المواطنة في تسيير وتدبير الشأن المحلي..
وفي الاخير لا يمكن الاغفال عن الأشواط الكبيرة التي حققها المغرب في مجال التقدم والتطور والرقي بمكانة المرأة وتمكينها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وإبراز قدراتها في تسيير وصنع القرار، لكن نحن كنساء نتطلع للأفضل ويبقى أمامنا جميعا مسارا طويلا وجهودا كبيرة يجب القيام بها من أجل بلوغ المرأة لمركز القوة والقرار وتفعيل دورها بالمجالس المنتخبة لا كعدد فقط وإنما كقوة فاعلة في تدبير شؤون البلاد.
(°) فاعلة جمعوية ومناضلة نسائية
error: