عبد الحميد جماهري يكتب عن ثلاثية المصالحة وتعزيز الثقة وتفعيل النقد الذاتي 2/3

      بقلم عد الحميد جماهري

من المفيد جدا أن نلاحظ التزامن بين الانطلاقة الفعلية للمصالحات الوطنية الكبرى، وهي عتبات كلها لمغرب جديد، وبين النقد الذاتي الذي تقدم به الملك الراحل، بشجاعة النفَس الأخير، عندما تحدث عن بلاده وهي على شفا السكتة القلبية، جراء سياسة كان له فيها دور مركزي..

أحيانا، يثور التاريخ من أقسى جزء فيه، وأسوأ جهة أيضا..

وهي الجهة المظلمة في السياسة والقاسية في الحياة الوطنية..

وكلتا العمليتين، النقد والمصالحة، تتطلبان شجاعة، متبادلة، بين طرفي المعادلات السياسية الفاعلة وقتها.

وكلاهما لا يستطيعهما إلا الشجعان..

وفي اليسار، وحدهم قادته لا يجدون ضعفا أو غضاضة في النقد الذاتي.

تتزامن الذكرى الستين لتأسيس الاتحاد، مع دعوة إلى قراءة جماعية للمشترك النضالي، الفكري والسياسي، وفي ترصيد التراث الأخلاقي الذي عمّده المناضلون، قيادة وقواعد، بدماء الشهداء طوال مراحل التاريخ..

وفي المصالحة مع هذا التاريخ، دعوة إلى قراءة تراثه، من زاوية النقد الذاتي..

تلك عملية قام بها المهدي بن بركة في نقد الأخطاء الثلاثة، التي ستصبح من بعد الاختيار الثوري..

وليس في انتقال التسمية أي مصادفة، فتسمية الأشياء أحيانا لا تختلف سوى في زاوية النظر: فالنقد الذاتي أيضا اختيار ثوري حقيقي لبناء الإدراك الذاتي بالمشروع الوطني وبالهدف الوطني،

وفي المؤتمر الاستثنائي، وحتى وإن كان الوطن يلقن في جدران الزنازن وليس على الورق الصقيل، ويعلق في المشانق وليس في الأغاني الممجدة، حتى والوقت يملي ظلامه الدامس، لم يمنع من النقد الذاتي للاتحاديين والاتحاديات، قال عمر: نعم لنا أخطاؤنا ونفتخر بها لأنها أخطاء ثورية، ولن نظل حبيسي أفقها الذي تمت فيه.

وكانت مراجعة الهُوية ومراجعة مراكز القرار، والحسم مع الثنائية وأشياء كثيرة، وما كانت لتكون لولا النقد الذاتي في تدبير مرحلة من أقسى مراحل المغرب.

لم يمنع القتل والاغتيال والاضطهاد والزنازن والمنافي والتشريد من ممارسة خصلة بهية جميلة تكاد تكون دينية وصوفية( النفس اللوامة التي تنتقد صاحبها)..

البلاد، كلها مطالبة بالنقد الذاتي المستمر، من أجل مصالحة الشعب بساسته وسياساته..

وهو لا يكون لنزعة إرضاء أو تَوْرِيّةً أوغطاء لتماسك هش تقتضي الضرورة تسويغه بالذنب والإحساس به، إنه عتبة في سلم قيم تقدمي، وجزء من البناء الحقيقي للهوية الاشتراكية..

والمصالحة في التعريف الممكن الآخر، ليست فقط شكلا من أشكال النقد الذاتي المتبادل بل هي الثقة في حركيتها، وفي تحركها وفي صناعتها للأفق المشترك..

والنقد الذاتي المتبادل، هو الإقرار بممارسات اتخذت مسارات متعددة، ومتنوعة ومتراكبة، يجب أن يقوم كل واحد بقراءتها من زاوية نقدها وانتقادها، وأيضا النقد الذاتي المتبادل، يحدد طبيعة ودرجة المسؤولية، في تدبير الاتفاق والاختلاف معا..

كما أن الثقة، ضرورة حيوية، لأنه لا يمكن تصور ممارسة السياسة أو النضال السياسي بالأحرى بدون عتبة معتبرة من الثقة المتبادلة..

وكل عجز في الثقة، سواء كان في البعد الوطني المؤسساتي الكبير أو على مستوى التعاقدات البينية، هو عجز بالضرورة في ممارسة السياسة الحقيقية، سياسة الحقيقة..

وهو قصور لا بد من أن يؤدي إلى فقر في الديموقراطية

وفقر في المناعة الوطنية

وقصور مزمن في …التاريخ!

error: Content is protected !!