بشرى البكاري : شبكة تنمية القراءة بالمغرب طموحها يفوق ما وصلت إليه اليوم

إيمان بنبرايم

يعيش الكتاب الورقي أزمة حقيقية، في ظل التراجع الملحوظ الذي شهده في السنوات الأخيرة، حيث يحاول جاهدا للحفاظ على مكانته رغم الطمس الرقمي الذي تعرض له، هي معضلة حقيقة يعيشها المجتمع المغربي والعربي عامة، أمام التقارير الوطنية والدولية التي تشير إلى أرقام صادمة بهذا الخصوص، مما يجعلنا نتسائل عن الأسباب الحقيقية لهذا التراجع. هنا حوار مع الأستاذة بشرى البكاري، عضو شبكة التنمية بالمغرب، ورئيسة فرع ابن امسيك للشبكة، وهي أيضا قارئة لكتب الأدب والفكر تدافع عن قضايا القراءة.

– أستاذة بشرى كيف تأسست شبكة القراءة في بالمغرب؟ متى؟ وكيف جاءت الفكرة؟

بعد التراجع الملحوظ الذي أصبحنا نشاهده بخصوص القراءة، وأمام الأرقام المهولة التي تصدرها التقارير الوطنية والدولية حول ضعف القراءة في المغرب والوطن العربي عامة، والتي تتجلى في العدد المتدني للكتب المقروءة، قررت مجموعة من المواطنين المهتمين بالقراءة وبالشأن العام في المغرب، من بينهم أساتذة، طلبة، كتاب، نقاد… تأسيس دينامية مدنية وطنية في سنة 2013 تحمل اسم “شبكة تنمية القراءة بالمغرب”، والتي تسعى لتعميم ثقافة القراءة بين صفوف الأطفال والشباب والمواطنين عموما، وكذا تحسيس المجتمع بأهمية القراءة في التنمية الشاملة.

وتسعى هذه المبادرة أيضا إلى الدفاع عن قضية القراءة لتصبح ﻓﻲ ﺻﻠﺐ الاهتمام الوطني لدى ﻛﻞ المتدخلين ﻓﻲ المجال، ﻣﻦ دولة وفاعلين اقتصاديين واجتماعيين وثقافيين ومؤسسات وﻤﻬﺘﻤﻴﻦ ونخب وفعاليات المجتمع المدﻨﻲ لينخرط اﻠﺠﻤﻴﻊ ﻓﻲ ﺗﻨﻤﻴﺔ وﺘﺸﺠﻴﻊ القراءة وجعل النقاش الفكري حاضرا في المجتمع ومؤسسا للعيش المشترك.

ونعتبر أن هذه الشبكة فرصة لإطلاق شرارة القراءة وﻟﻠﺘﻨﺴﻴﻖ والتداول والاقتراح لديناميات ﺑﻤﺨﺘﻠﻒ المدن، التي نسعى لدعمها والتنسيق معها من أجل اقتراح ﺑراﻤﺞ ﻋﻠﻰ الفاعلين الحكوميين والاقتصاديين ومن أجل إرساء ثقافة القراءة، إلى جانب تعزيز ثقافة العمل الجمعوي التي تجعل من الصداقة والتعاون والفكر المبدع أساسا لعملها.

كما تتمثل أهداف الشبكة في إشاعة ثقافة القراءة عبر تحسيس وتحفيز الأطفال والشباب وعموم المواطنات والمواطنين على القراءة وترسيخها مدخلا لتكوين المواطن القارئ الواعي والفاعل، بالإضافة إلى التكوين التكوين وتعزيز القدرات والتوجيه والتأطير في مجال القراءة والفعل الجمعوي، وتعتبر أيضا فرصة للتأليف وإعداد الدراسات والتوثيق والنشر حول القراءة، إلى جانب الدفاع عن قضية القراءة والتأثير الإيجابي في المنظومة التربوية ولجعل المدرسة تتبنى ترسيخ ثقافة القراءة في المناهج التعليمية، والتأثير في السياسات العمومية المتعلقة بالثقافة.

– ما هي الطرق والمنهجيات التي تعملون عليها من أجل ترسيخ هذه الثقافة ؟

نعمل على نشر القراءة عبر استراتيجية تعتمد على مجموعة من المحاور تتمثل أولها في :

التحسيس، وذلك عن طريق الندوات الفكرية العامة والمتخصصة، واللقاءات التواصلية بين المبدعين والقراء، والمشاركة المستمرة في الفضاءات الثقافية ومعارض الكتاب والنشر.

ثانيا الترسيخ، ويعمل على دعم أندية للقراءة في المؤسسات التعليمية الابتدائية والثانوية والثانوية والجامعية، وتنشيط المكتبات بها، ولا سيما المكتبات المدرسية والصفية، ودور الشباب، والمكتبات العمومية والخاصة، والمخيمات الصيفية، ومراكز الإصلاح، والحرص على استمرار أنشطتها وربطها بمختلف الأنشطة الإبداعية الأخرى، كالمسرح والموسيقى والسينما والفنون التشكيلية.

ثالثا التحفيز وذلك بتنظيم مسابقات إقليمية وجهوية ووطنية لفائدة الأطفال واليافعين والشباب في مجال القراءة والكتابة، وتخصيص جوائز تشجيعية لهذا الهدف.

رابعا التكوين، ويهدف إلى تعزيز قدرات الشباب في ميدان التنشيط القرائي والثقافي لسد الفراغ المهول في هذا المجال.

خامسا الدفاع عن قضية  القراءة، ومهمته الاتصال والتواصل المستمر مع كل المؤسسات المعنية مباشرة كوزارات التعليم والثقافة والشباب والرياضة. كما يهدف هذا المحور لاستعمال كل الوسائل القانونية للتأثير في السياسات العمومية، كالعريضة ومراسلة الجهات المسؤولة.

سادسا التأليف التوثيق والبحث، والغرض منه القيام وتجميع الأبحاث والدراسات في مجال القراءة وتحيينها وحث مراكز البحث وتشجيع الطلبة الباحثين على إعداد بحوث ودراسات جديدة. وقد صدر لنا كتاب بعنوان شغف القراءة.

– تشير مجموعة من التقارير الوطنية والدولية على أن المجتمعات العربية غير قارئة؟ ما الأسباب في نظركم؟

للأسف أن مجموعة من التقارير تجمع على أن أمة إقرأ لا تقرأ، وتتعدد أسباب ودوافع هذا العزوف فيما تظل النتيجة واحدة، لكن تبقى أزمة القراءة والمطالعة عند جيل اليوم تتظافر حولها أسباب متعددة يمكن تعداد أهمها في :
– عدم وجود الحماسة في طلب العلم ورفع الجهل عن النفس والغير .
– وجود عامل نفسي خبيث يجعل الإنسان كثيرا ما يردد (أنا لا أهوى القراءة) أو (أنا أنام لما أمسك الكتاب).

– عدم التربية منذ الصغر على هذه الثقافة التي تحبب للأطفال منذ الصغر، وهنا نتحدث على جانب تقليد الأطفال للأبويين.
– سرعة الملل وقلة المثابرة والدأب على العمل، لأن القراءة تحتاج للصبر و إلى إنسان طويل النفس لا ينقطع لأي عارض مهما كانت درجة تأثيره .
– عدم الفهم و الوعي بأهيمة القراءة في حياة الفرد و الجماعة، فتجد كثيرا منا يتعذر ويقول (أنا لا أفهم ما أقرأ) أو يقول (فهم أقوال العلماء فيه صعوبة)، ثم آخر يقول (لا أجد وقتا للقراءة).
– عدم وجود مكتبة منزلية، فكيف توجد القراءة وهو فاقد لأحد أركانها وهو الكتاب.
– الابتداء في القراءة بالكتب الجافة والمعقدة مما يسبب النفور من القراءة .
– الاكتفاء بقراءة المجلات والنشرات والصحف وهذه ليست مصادر للعلم والثقافة .
– تعويض الكتاب بالشاشات الالكترونية وهو ما يمكن تصنيفه من الاسباب الرئيسية للعزوف عن القراءة وثقافة جني العلم من الكتاب..
– ضعف الحالة المادية مما يجعل الإنسان لا يستطيع شراء كتابا في مقابل ارتفاع أثمان الكتب وغلاء أسعارها .
– التخبط في تراتبية القراءة وعدم التدرج في تناول الكتاب، مما قد يكون السبب في نفوره من القراءة وإحساسه بعدم الاستفادة من عوائد القراءة .

غير أن هذه الأسباب و تلك لا تنفي غياب المسؤولية الفردية باعتبارها السبب الأكبر في هذا النفور التحصيلي، وحالة اللاوعي التي يعيشها الشباب في دنيا الإغراء والانشغال بملاهيها الزائلة أكثر من أي شيئ آخر .

– لماذا تغيب ثقافة القراءة في سلوكاتنا اليومية؟

في الدول الغربية تم ترسيخ المدرسة العمومية مند القرن السابع عشر، وكان هدف المدرسة هو نشر ثقافة التنوير وبناء الديمقراطية في النظام السياسي الجديد. وصاحب تعميم المدرسة حركة نشر قوية رافقت بناء الدولة الديمقراطية، مما أدى إلى ترسيخ فعل القراءة إلى يومنا هذا.

ففي فرنسا مثلا جل المواطنين يشترون الكتب، ويستعيرونها من المكتبات العمومية المنتشرة في كل الأحياء والمدن والقرى، وفيحسب احصائيات تقرير التنمية الثقافية، تم بيع 440 مليون كتاب خلال سنة 2013، أي بمعدل شراء سبعة كتب لكل مواطن في سنة واحدة. وخلال أيام الأعياد يتضاعف عدد المبيعات لأن ثقافة إهداء الكتب منتشرة لدى المواطنين، ويعتبر قطاع الكتب قطاعا اقتصاديا منتجا ويساهم في خلق فرص الشغل.

هذه المعدلات مقارنة مع المغرب ضعيفة جدا، فرغم التقليد الأعمى لثقافة الأوروبيين، لكننا  لا نقلد الأشياء الإيجابية، فقد جاء في “تقرير التنمية الثقافية” الصادر عن “مؤسسة الفكر العربي”، أن الفرد العربي يقرأ بمعدل دقيقتين سنويا، بينما يقرأ الأوروبي بمعدل 200 ساعة سنويا. ولا يتجاوز معدل القراءة كتابا واحدا في السنة في الدول العربية بينما المعدل في الدول المتقدمة أكثر من 30 كتاباً في السنة.

وهنا يمكن القول أننا فعلا أمام مشكلة يجب النهوض بها، لأن القراءة فعل يستطيع أن يغيير مصير المجتمعات، باعتبار الكتاب منور لعقول الأجيال.

 – ما هي النتائج التي تحصلون عليها من خلال هذه الشبكة؟

مع التفعيل الكامل للاستراتيجية، يمكن القول أننا حققنا مجموعة من الإنجازات التي تعتبر مشرفة، من بينها: إنشاء هيكلة ديناميات محلية تهدف تنمية القراءة عبر المدن، وكذا تفعيل برنامج تنمية القراءة في المؤسسات التعليمية عبر دعم النوادي، تحت شعار القراءة حقنا جميعا، لفائدة 50 مؤسسة و10 آلاف طفل، إلى جانب تنظيم المسابقة الوطنية للقراءة، والتي تحتفي بالقراء، و تنظيم جائزة الشباب للكتاب المغربي والذي يحتفي بالمؤلف، إضافة إلى تفعيل برنامج القراءة في المخيمات الصيفية كذلك في السجون والإصلاحيات ومراكز حماية الطفولة..

وقد تم تتويج شبكة القراءة بالمغرب بجائزة أفضل مبادرة لتعزيز ثقافة القراءة وصنع مجتمع المعرفة، بالوطن العربي، إيمانا من المجلس بدورها الرائد والمتميز واعترافا بجهودها الملموسة والمتميزة في هذا المجال.

– منذ تأسيسكم إلى اليوم، هل وصلتم إلى المبتغى المطلوب؟ وهل كان لكم تأثير؟

شبكة تنمية القراءة بالمغرب طموحها يفوق إلى ما وصلت إليه اليوم صحيح أننا حققنا مجموعة من الأهداف التي سطرناها اليوم الأول، وعملنا بجد ومتابرة لتحقيقها لكن معضلة القراءة على المستوى الوطني لا يمكن تجاوزها بتدخل المجتمع المدني وحده، ولا يمكن حلها في سنوات قليلة، بل تحتاج لتضافر الجهود وترتكز على المقاربة التشاركية.

أكبر نجاح للشبكة هو إيقاد شعلة الحماس لدى عدد من الأساتذة الذين آمنوا بأهمية القراءة في تكوين شخصية الطفل واليافع وتفتحها، وفي تسهيل العملية التعلمية، هؤلاء الأساتذة كانوا يحسمون بنوع من الإحباط والعزلة بحكم تدهور المدرسة العمومية وفشل المنظومة التعليمية.

وقد أتاحت الشبكة فضاء مناسبا لهم، للانخراط في دينامية وطنية منتظمة في اشتغالها وفي دفاعها عن القراءة والكتاب، كما شجعتهم على التحلي بروح المبادرة وعلى الانخراط في قضايا المجتمع. كما نجحت الشبكة في تحقيق عدد من الأهداف، خصوصا على مستوى بناء شراكات فعالة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني، من أجل دعم القراءة في المؤسسات الحكومية، عبر الاشتغال الدائم مع الأطفال والشباب وخلق عدد من النوادي القرائية وتنشيطها والتعريف بها داخل المؤسسة وخارجها.

وتتوصل الشبكة على مجموعة من الجوائز في جعل الكتاب أكثر حضورا في الفضاء المدرسي، وجعل صوت القراء مسموعا على مستوى المؤسسة التي يدرسون بها، وعلى مستوى الإعلام الوطني، بحيث تم استدعاء بعض القراء إلى برامج تلفزية ثقافية أو إخبارية فقط، لأنهم تميزوا في القراءة وكانوا أحسن مدافعين عن هذه القضية النبيلة.

error: Content is protected !!