المصطفى فروقي يكتب في زمن كورونا عن “القناع أو الوجه الأخر للوجود”

  • المصطفى فروقي (°)

عديدة هي الأشياء التي اقتحمت حياتنا على حين غرّة، في زمن كورونا، لدرجة أن بعضها حاز من السّلطة ما جعلها من”الإكسسوارات” الضّرورية واللاّزمة في حياتنا اليوميّة.

ولعلّ القناع (الكمامة) يشكّل أبرز هاته الأدوات التي نالت لأول مرة في تاريخ الإنسان، المليء مساره بالاستعارات والرّموز المتنوّعة بتنوّع الثّقافات والشّعوب، شبه إجماع على ريادة لعب جماعي لمسرحية سخيفة بدون جمهور أبطالها الإنسان في كل مكان وركحها الشارع وكل مرافق الحياة هنا وهناك في هذا العالم الفسيح .
والحقيقة أن علاقة الإنسان بالقناع قديمة قدم الإنسان ذاته، بحيث شكّل هذا ال “الوجه الأخر” وسيلة للجماعات والأفراد لتحقيق لعبة التنكّر الضرورية المسوغة لتصريف الأحلام ولتبديد المخاوف ولتمويه حيرة السؤال حول الوجود والمصير .
هذا ، وفي سياقات محدّدة حمل الإنسان أقنعة على وجهه غالبا ما كانت صورها وموادّها مستمدة من الطّبيعة ومن رموزها في دوائر القوة والضّعف أو الجمال والقبح أو الصّبا والكهولة وغيرها من القيم  الأوضاع الإنسانية .
وفي شروط زمنية واحتفالية مغايرة تقنّع الإنسان دون أن يحمل قناعا ظاهرا للعيان وذلك عبر استبدال جسده الواقعي بجسد أسطوري يمنحه صفة فاعل ثقافي يساهم في تشييد الحياة الرمزية واغنائها عبر الممارسات الطقوسية .
أمّا على خشبة المسرح، اعتق الفنون ، فقد كانت الشّخصية التي يتقمّصها الممثّل بمثابة قناع يطال الجسد والروح، يسافر بالجمهور إلى عوالم الخيال الشاسع الذي يجعل من الركح حياة مختصرة تتكثف فيها كل قضايا الوجود .
وكذلك كان الشأن مع السينما التي عززت عبر تقنياتها الحديثة في التمويه والتّصوير لعبة التّخفي وراء عالم شاسع من الشخوص والمواقف التي خولت للصناعات السينمائية إنتاج ما لا يحصى من الوثائق المصورة ومن الأفلام .
بل انه حتى العلماء والمستكشفين، والجواسيس والرحّالة الباحثين عن المعارف في الأصقاع البعيدة، لم يسلموا من ضرورة “حمل القناع” لتسهيل عملية التوغل داخل شعوب بعيدة بهدف فهم ثقافاتها وطباعها بحيث كانت خطتهم أحيانا تستوجب التخفي في لباس غير لباسهم الأصلي أو خلف لسان غير لسانهم أو معتقد ديني غير معتقدهم لتيسير عملية العبور السالم والماكر الى جزر المعلومات والحقائق المنشودة قصد استكمال هيأة مشروع علمي يؤرق صاحبه أو تلبية طلب جهة خفية تخطط عن بعد لبرنامج توسعي في المستقبل المنظور.
إن الحالات التي ذكرناها في سياق محاولة تتبع تاريخ القناع ليست غير جزء يسير من حالات صناعات التخفي التي ابتكرها الإنسان لتغذية مخياله وأفكاره أحيانا و لتغذية أنانيته وجشعه أحيانا أخرى .
واليوم وقد اجتاح وباء كورونا العالم، فإنّنا لا نحمل القناع لنؤدي دورا رمزيا في الحياة أو لنقول استعاريا ما لا يمكن قوله سوى عبر بدائلنا أو “أنانا” المقنّعة بل لأنّ الوباء دفعنا ،عنوة ، لتشخيص مشهد جماعي يبدي فيه الانسان، لاول مرة، تعبه من الانسان ومن صورته، بحيث لم نعد قادرين على رؤية الاختلاف في ملامحنا فتوحّدنا قسرا خلف وجه واحد عنوانه القناع في صورة كاريكاتورية تثير الشفقة لما آل اليه الانسان من ضعف في ظل ّخوف معمّم من كائن مجهري مجهول وعنيد .

(°) باحث في التراث الثقافي

 

error: