إشكالية الماء بالمغرب في حاجة لحكامة وسياسة واضحة المعالم

  • مصطفى السباعي (°)

إشكالية الماء بالمغرب ينبغي معالجتها أساسا من منظور اجتماعي وثقافي، لا التعاطي معها كسلعة اقتصادية ربحية، إذ لا يحق استعمال الماء، أو غيره من الموارد الضرورية للحياة اليومية للمواطن، لتراشقات و أجندات سياسية خفية، حيث الأطلس المتوسط مثلا، بمنابعه وأنهاره وفرشته الباطنية، ملك لكل المغاربة، فليس هناك ولي صالح للتحكم في خيراتنا المائية، بل يجب أن تكون هناك حكامة، وسياسة مائية واضحة المعالم، لا تخضع للمزايدة، بل يسودها إجماع وطني.

نحن لسنا على ضفاف دجلة والفرات، أو على نهر النيل، بل على أرضنا وفوق خزاننا المشترك، لذا يجب إعمال الحق في الماء بطريقة عادلة، منصفة ومستدامة، تضمن إمكانية استفادة الجميع من هذا الحق وتوارث ذلك الحق بين الأجيال الحالية والقادمة.

يقول كوفي عنان الأمين العام السابق لأمم المتحدة في رسالة بمناسبة بدأ عقد ”الماء من أجل الحياة ” في 22 مارس 2005 “ينبغي لنا أن نحرر النساء والفتيات من واجب النقل اليومي للمياه، حيث يقمن بذلك غالبا عبر مسافات طويلة، ويجب علينا أن نشركهن في اتخاذ القرار بشأن إدارة المياه”، ونحن في حاجة إلى جعل المرافق الصحية أولوية، وذلك هو المجال الذي يقل فيه التقدم أكثر من غيره.

ونحن نرى أن تحرير أسواق المياه والمنابع الطبيعة بالمغرب، وإدراجها ضمن بورصة القيم وسوق العروض الاقتصادية لمقولات متعددة ومتنوعة، هاجسها تضخيم أرقام معاملاتها التجارية والزيادة في أرباحها، قد يشعل فتيل الاضطرابات الاجتماعية ويذكي الصراعات السياسة، ويزيد من ضبابية السياسات العمومية، خاصة أن كل المؤشرات المستقبلية تؤكد أن المغرب يتعرض للجفاف الدوري، وهو من المناطق المهددة بالجفاف، وسيعرف شح في التساقطات المستقبلية.

وربما بدأت ملامح هذه المرحلة تظهر على شكل اضطرابات وتقلبات مناخية راهنة، وبالتالي فأزمة المياه أكيدة، لذا وجب على الدولة إيجاد إجا بات سريعة لهذه الوضعية المقلقة بدء من التحكم في مواردها المائية، بغاية القدرة على ترشيدها وحسن تدبيرها، باعتماد استراتيجيات وبرامج مائية شاملة ومتكاملة لاستدامة الموارد المائية، سواء الجوفية أو السطحية أو البحرية، وبالتالي تأمين توفير الماء وذلك بتطبيق سياسات مناسبة في التنقيب والتصفية والتخزين والتوزيع والتسعير لضمان الوفرة بتكاليف مراقبة ومتحكم فيها خارج منطق السوق والعرض والطلب وتحقيق الربح.

ولن يتحقق ذلك دون دور محوري لدولة آمرة في سياسة مائية ناجعة وفعالة، مما يستدعى إشراك المواطنين بالتوعية في الاقتصاد في الماء وحيويته، وتكثيف الجهود مع المجتمع المدني والفاعلين السياسيين والحقوقيين محليا، خصوصا داخل الوسط القروي؛ بالاتجاه إلى تحرير البادية من الموروث والقوانين الاستعمارية السالبة لحقوق السكان في الموارد الطبيعة وخاصة المائية، وإشراكهم في التدبير والمحا فظة على هذه الثروة الوطنية.

ولابد بالتالي الكف عن سياسة الاحتكار في سبيل توفير الماء لصالح طبقات إقطاعية بمناطق تواجد ضيعتهم ومنتجعاتهم والمؤسسات المضاربة في الماء من مكاتب و شركات التسيير المفوض، وما ينتج عن ذلك من خدمة المصالح الفئوية، وتضخيم الرأسمال – تحت ذريعة تفويض التدبير أحيانا والحقوق المكتسبة أحيانا أخرى –، وعلى الدولة عدم التغاضي عن المراقبة والضبط، ومواجهة الاستغلال المتوارث والمضاربة في مادة حيوية وأساسية.

ومن الضروري استحضار حاجيات الأغلبية الفقيرة من المواطنين ، وخاصة سكان الجبال من ذوي وذوات الحقوق، في الموارد الطبيعية، وخصوصا المائية وامتداداتها المجالية، والتي غالبا ما تصادرها المؤسسات المدبرة وأرباب المعامل و مصانع التعبئة والتلفيف بمشاريعهما  المقامة غالبا على أراضي وأملاك الملاكين الأصليين والحقيقيين لهذه الثروة، رغما عن أنفهم أحيانا وبعقود إذعان ملغومة أحيانا أخرى.

لقد حان الوقت مرة أخرى للإنصاف والمصالحة، على أسس يقررها القانون، ولم لا التفكير في إطلاق ورش لمصالحة اقتصادية مستقبلية، إذ يجب ضمان قدرة جميع المواطنين المغاربة على تحمل نفقات الماء ومرافقه وخدماته، آنذاك لا مانع في تحمل التكاليف المباشرة، وغير المباشرة، والرسوم المعقولة المرتبطة بتأمين الماء، مع الأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية لكافة الشرائح الاجتماعية، وما لا ينبغي تحمله هو التكاليف والرسوم و الأرباح الباهظة الناجمة عن إعمال الحقوق الأخرى المكتسبة- حق العائلات في الاستفادة من حقوق الاستغلال الطويل المدى-.

 ولضمان الحق الطبيعي في الماء للجميع، والتوزيع العادل له، يتعين على الدولة اعتماد تدابير فعالة لإعمال كل هذه الحقوق، دون استغلال أو تمييز، وهو ما تنص عليه لزوما المادتان 11 و12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فالأطلس المتوسط الخزان المائي الوحيد للمغرب، على امتداد جبال وأراضي فيدرالية ايت اسكوكو- زيان ايت واعمر -اقليمي خنيفرة والخميسات-

في هذا الامتداد المائي السطحي والجوفي، أو في هذه الرقعة المحرومة من أطراف المغرب العميق، البعيد عن المحور والمركز؛ سكانها متروكون لأمرهم وحالتهم الإنسانية البالغة التعقيد في الفقر والتهميش، في قراهم المتضررة يعانون في صمت للحصول على الماء أو ما قد تجود به السماء، بالأحرى في فترات الجفاف حيث لا شيء سوى بعض الصهاريج المتنقلة للشرب وآليات معدودة للحفر وتجميع مياه الأودية والبرك المائية المتعفنة، وما لذلك من مخاطر صحية ناجمة عن مياه غير مأمونة، والتي توزع بمحاباة سياسية لولا نداءات بعض جمعيات المجتمع المدني بأرضي الجموع ازغار رغم محدودية قدراتها المالية .

(°) فاعل مدني جمعوي
error: