التكفل العلاجي بالأضرار النفسية الناجمة عن مخلفات وباء كوفيد 19

  • د. عبدالإله حبيبي (°)

لم نلج بعد مرحلة التكفل الطبي بالجوانب السيكولوجية لمخلفات وباء كوفيد 19على مستوى الصحة النفسية للمواطنين، ليس فقط المصابين بالفيروس، بل كل الذين يعانون من احتمال الإصابة به رغم حرصهم الشديد على الوقاية وتتبع التوجيهات والإجراءات المانعة

    كما نعلم أنه لكل مرض عضوي جوانب نفسية، بل قد تصبح هذه الجوانب أهم بكثير من نضيراتها الجسدية التي تظل رهينة المناعة النفسية أو المقاومة الروحية الحامية من كل انهيار نفسي، والرافعة لمعنويات المرضى في لحظات مجابهة المرض العضوي… هذه الحالة نجدها حاضرة بقوة لدى المصابين بمرض السرطان، حيث يُركز الأطباء خلال حديثهم مع هؤلاء المرضى على الجانب السيكولوجي وذلك لحثهم على التشبث بمستوى من الأمل في العلاج حتى يتجاوب جسمهم مع الأدوية المقدمة لهم..

   لكن هذا التدخل النفساني يظل هامشيا، غير مؤسس، وكأنه من مسؤولية المريض النهوض به، في حين أنه لا يقل قيمة وأهمية عن التخصصات الطبية العضوية، باعتبار أن عدم استقرار المريض نفسيا يحكم على كل التدخلات العلاجية بعدم الجدوى والفعالية..

   لقد عرفت التخصصات الطبية مجالا تخصصيا لا زال لم يتبلور عندنا بما فيها الكفاية، يتعلق الأمر بالأمراض النفس- جسديةles maladies psycho-somatiques، تلك التي يختلط فيها الجانب النفسي بالجانب الجسدي، حيث يستحيل أن يكون العلاج الكيميائي وحده كافيا، إذا لم يتم التكفل بالجانب النفسي الذي يكون هو الخلفية غير المرئية التي تساهم بقوة  في استمرار الأعراض الجسدية، بل وعلى تعميق المعاناة العضوية للمريض…  

   يقدم لنا الدرس الفرويدي نموذجا لبعض الأعراض الجسدية التي لها أسباب محض نفسية، ولقد  كانت بمثابة الاكتشاف الأول لهذا النوع من المعاناة، أو السندروماتles syndromes التي كان الطب يجهلها، حيث كان كل اضطراب غير عضوي يصنف في خانة الظواهر الغامضة أو الغريبة  التي لا تدخل في مجال التخصص العلمي الطبي، نخص بالذكر هنا ” مرض الهستيريا” أو نوبة الهستيريا”، والتي  غالبا ما تظهر لدى الفتيات في سن المراهقة، مما يجعلها نوبة ذات “باراديكم” paradigme نفساني خاص، هنا سيخوض فرويد معاركه التنظيرية الأولى من أجل إثبات أن هذه النوبة هي عرض جسدي لاضطراب نفساني عميق له علاقة بتجربة طفولية تحيل بدورها إلى عقدة أوديب أو المثلث الجنسي الحاسم في النضج النفسي الجنسي لدى الطفل كان ذكرا أو أنثى

    دون التعمق في البنية النظرية لهذا المثلث الأوديبي باعتبار أن المجال لا يسمح لنا بذلك، سنعود لمرض كوفيد 19 وما يفترضه من مقاربة نفسانية تساعد على تهييء الناس لمواجهته بقوة معنوية واطمئنان  روحي وتوازن نفسي، وذلك من خلال الحد من تحويله إلى ما يشبه رهاب une phobie نفساني أو ما يسمى بالخوف المرضي من الإصابة بمرض ما

    من هنا بات من الضروري إعادة استثمار هذا الجانب والتركيز عليه حتى يعلم الناس أن الخوف المبالغ فيه يزيد من إضعاف المناعة، ويقوي ضعف الثقة في النفس، مما يزيد من الشك في كل الأعراض التي قد يتعرض لها الجسد ويحسبها الشخص من علامات المرض.. هذه الحالة تكاد تصبح عامة ومنتشرة بين أوساط من يعانون من وسواس الإصابة بحكم تعرضهم المستمر للتخويف من المرض والحث على الوقاية وتجنب الاحتكاك بالناس، والتقيد بالقواعد الاحترازية وهي الوسائل الوحيدة المتوفرة حاليا لحد من انتشار الوباء، لكنها قد تتحول لدى البعض إلى حاملة لعرض أو “سندروم” syndrome الخوف المرضي من المرض، وهذا ما يسبب معاناة نفسية قوية قد تسهل الإصابة أو توفر لها الشروط النفسية المناسبة

    لهذا ينبغي العمل على الشروع في مباشرة حملة التمنيع السيكولوجي ضد المرض لكونه يعتبر أساسيا ومانعا لكل سقوط في براثن الوساوس اللاعقلانية والتي تدخل الشخص في متاهات لا علاقة لها بالطب ولا بالوقاية من المرض.. 

    عندما نتعرض لبرنامج مستمر يقوم على تحذيرينا من مرض ما، ويحملنا مسؤولية الإصابة به، بل ويقدم المخاطر المحتملة التي قد تنجم عنه مع ذكر حالات الوفيات..

    نصبح هنا في وضع عصبي من الصعب التنبؤ بما يمكن أن يترتب عنه من اضطرابات قد تكون من العناصر السلبية في معركة الجسد ضد المرض، أي هوس الخوف المرضي من الموت، مع ما يصاحب ذلك من وساوس تضاعف المخاوف الأخرى، كترك الأبناء يتامى والأهل وعدم تحقيق الأحلام، والقلق الذي ينبثق من هكذا وضع يمكن أن يشكل عبئا ثقيلا على الشخص ويعكر مزاجه وتواصله الطبيعي مع أهله وزملائه وأصدقائه، أي ظهور الميولات الانعزالية التي قد تعصف بالتوازنات الهشة بين مكونات الشخصية والعالم الخارجي..

   الوباء ظاهرة مرضية كونية، والدول المتقدمة تعاني اليوم من توابعه النفسية، وخاصة بالنسبة لتلك التي أعادت الحجر الصحي الإجباري، حيث بدأت تظهر على مواطنيها علامات الانهيار العصبي، العنف الأسري بين الأزواج، القلق وغيرها من الاضطرابات التي غالبا ما تقترن بالحروب والكوارث والهزات الكبرى التي تؤثر بشكل جذري على الاستقرار النفسي للناس… لهذا شرعت هذه الدول في التكفل بالجوانب النفسية لمواطنيها قصد مساعدتهم على تحمل وضعية الحجر وتقييد الحريات الشخصية والجماعية المؤقت، وتقديم كل الدعم للحالات التي تستدعي تكفلا خاصا، مع فتح قنوات للتواصل والإنصات المستمر للأفراد والأسر التي لها مشاكل داخلية في خضم الحجر ومقتضياته الإكراهية والقانونية

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village…

 

error: