علي خداوي يكتب عن: “ثاموايث” والمرأة الأمازيغية بالأطلس المتوسط

  • اعلي خداوي (°)

يقول جون مزيل في كتابه Énigmes du Maroc إن “ثاموايث” هي”طابع صوتي يتميز به الاطلس المتوسط”، وبالفعل، “ثاموايث” لا توجد إلا بهذه المنطقة. ورغم أن الجواب على السؤال “لماذا” صعب، فإنني أرجح أن هذا الموروث الفني المتميز والذي من المؤكد أنه يرجع إلى قرون خلت، اختار أن يسكن جبال فازاز كما سكنها “الإله أطلس” لأسباب ترتبط بالعناصر التالية:

الجبال العالية والأشجار التي تكسوها

 الماء الجارية والبحيرات

 الهواء النقي وسحر الطبيعة

 أصالة اللغة والثقافة المرتبطة بها لكون فازاز قلعة لم تطأها قدم مستعمر إلا مع الحماية الفرنسية.

صمود القيم الأمازيغية ومنها تقديس المرأة والحب والفنون .

كل هذه العناصر مجتمعة، استطاعت أن تحافظ للمرأة على مكانتها كمحور وأساس الأسرة والمجتمع. وقد لخص الشاعر الدور الأساسي للمرأة في الأبيات التالية:”

هاثين ثوثمين ازك داد اضار على خير– نغد اوث الزل اخام نشا ذاي انيث اوناغور…”

أما في ما يخص علاقة الرجل بالمرأة بهذه المنطقة، فقد لخص المثل الشعبي مبدأها في المقولة التالية:

“اذ انعل ربي انا مي ثنا أولي اورت يويل–انعل انا مي ثنا اللفي اوراس الليف”، بمعنى أن إيمازيغن جعلوا في يد المرأة كل مفاتيح العلاقة بين الجنسين، وهي علاقة لم يصلها الغرب إلا مؤخرا. لذلك لم تكن الأنثى ترغم عل الزواج أو على أية علاقة أخرى خارج الزواج. وكان الذكور الذين تشبعوا بتلك القيم يحترمون هذا المبدأ، مما مكن المرأة من ممارسة حريتها كاملة بدون خوف، بل حتى أثناء الحروب القبلية، كانت تتنقل بين المحاربين دون أن يمسها مكروه، لأن قوانين الحرب تمنع المساس بها.

كانت القيم سائدة قبل دخول الفكر السلفي والوهابي إلى المغرب. ولعل عدم توغل هذا الفكر بالأطلس المتوسط من العوامل التي تفسر تعاطي المرأة بكثرة لفنها بكل حرية في هذه المنطقة أكثر من غيرها.

هناك من الرجال من أدوا ويؤدون “تاموايت” لكنهم نادرين جدا، لتبقى “ثاموايث” كنوع غنائي أنثوي بامتياز.

وهي أصعب أنواع الغناء أداءً، لكن أجملها على الإطلاق.

“ثاموايث” كظاهرة انتروبولوجية فريدة من نوعها في كل تامزغا، تعني الرفيقة أو المرافقة. إذا ثاموايث أنثى، أي هي المرأة نفسها. وهل هناك أجمل من امرأة كرفيقة تملأ علينا فراغ الحياة بكل حب؟

ثاموايث هي المرأة التي  تعبر عن أحاسيسها و همومها …

هاك ثاونزا ك الرهن اد اور كن اثفار امارك—اك نغين ك ابريد اور تسينث

خذ معك حفنة من شعري كرهان لكي لا يتبعك حبي– ويقتلك على طريق لا تعرفها…”

تخاطب المرأة هنا حبيبها خوفا عليه من حبه لها، وتطمأنه على وفائها إلى حين عودته.

نكنث اخف تاري لغروبيث الاتروخ اقيمغاسن س اشال–ايس اكا الراي انو ام الراي ن اوزطا مي تمخبان ورافن

أنا التي كتبت علي الوحدة جلست على الأرض لأبكي–لأن حظي كحظ منسج تشابكت خيوطه

هذه الأمثلة، تبين أن “ثاموايث” هي المرأة نفسها التي تعبر عن حبها وأحاسيسها وهمومها بفن الكلمة الأمازيغية

حينما تؤدي الفنانة الأمازيغية ثاموايث”، فإنها ترسل رسائل صوتية إلى السماء والجبال والبحار قائلة:

أنا هنا، حبيبتكم، أمكم، أختكم، أنا هنا للترفيه عنكم، لإدخال لحظة سعادة إلى قلبي وقلوبكم، لا أبالي باستهتار من يريد تقييد حريتي، سأغني مثلما غنت جداتي، وليذهب فكر كل الطغاة والظلاميين إلى الجحيم“…

تحية خاصة لكل فنانة أمازيغية التي تقاوم بالشعر من أجل الحب والحرية والكرامة والبقاء.

ولقمع تلك الحرية، حاول أعداء الحرية بشكل عام، حرية المرأة بشكل خاص، عندما فشلوا في دفن المرأة تحت الخمار، أن يلصقوا بالفنانة كل النعوت القدحية لتشويه سمعتها، كما وظفوا كل الوسائل المتاحة لديهم لنشر ثقافة البدو في جبال الأطلس الشامخة، والشاهدة على أن المرأة هنا حفيدة تلك الملكات اللواتي كن على عرش إيمازيغن في نفس الفترة التاريخية التي كان فيها عرب الجزيرة يدفنون بناتهم حيات خوفا من العار…

فتحية عالية لكل الفنانات الأمازيغيات اللواتي يستمرن في ممارسة مهنتهن بكل احترافية وشجاعة وشرف وعنفوان الأطلس الشامخ رغم الضغوط التي تمارس ضدهن من جهات متعددة.

وتحية لكل رجل يساند فناناتنا لمزاولة هوايتهن رغم الاكراهات والصعوبات المرتبطة باحتقار الأمازيغية عموما كإرث حضاري وهوية متميزة ورائعة .

المرأة في الثقافة الأمازيغية عنوان الحرية، ومن واجب كل الأحرار أن يدافعوا عنها .

ان “ثاموايث” كنوع فريد من الشعر الغنائي الأمازيغي إرث انتروبولوجي عني يميز بلدنا عن باقي البلدان ومفخرة وطنية أمام العالم. لذلك أدعو إلى دراسة هذه الظاهرة وتدريسها للوقوف على مغازيها وتمريرها للأجيال القادمة.

كما أدعوا كل المسؤولين المعنيين- مؤسسات ومجتمع مدني- أن يبادروا إلى تسجيل “ثاموايث” كإرث إنساني لدى اليونسكو.

(°) باحث وفاعل مدني

error: