لعبة “فري فاير” الظاهرة المرعبة التي أوقعت بالمراهقين والأطفال في شباك الإدمان عليها

  • هاشم فارس (°)
بحكم ارتيادي اليومي لهذه المقهى أو تلك، سواء بالمدينة التي أقطن بها، أو بغيرها من المدن التي أزورها، بين الفينة والأخرى، وبمحيطها، حيث الشباب يلتقطون “الريزو”، وكذا بالحدائق العمومية، وبعد مدة طويلة من الملاحظة المركزة، وبحكم كوني أبا لثلاثة أطفال يجتازون مرحلة المراهقة، أثارت انتباهي سلوكيات مثيرة للدهشة والاستغراب، حيث هناك إدمان زاحف على “لعبة فري فاير”، ما يدفع فعلا، وبإلحاح، إلى ضرورة نقاش فوري، ومحاولة نبش في هذا “السلوك” الذي بدأت رقعته تتسع مع توالي الأيام والسنوات، حيث اعتبر نفسي جزءً منه ومما يطرحه من حيرة وقلق، إذا لم نقل جزءً من المشكل ومن الحل في نفس الآن..
فبمجرد ولوجك إلى المقهى تجد عددا كبيرا من الشباب والشابات المراهقين ماسكين بهواتفهم الذكية، يكادون لا يلتفتون يمنة أو يسرة، بل كل تركيزهم وانشغالهم منصب على شاشة الهاتف الذي سلبهم العقول والألباب، حيث لم يترك لهم الوقت الكافي للتفكير في أي شيء آخر، ولا حتى في الأكل والنوم كضرورة من الضروريات الأساسية، ويستقيم السؤال: ماذا يفعل هؤلاء الشباب يا ترى؟، في ماذا يفكرون؟، بماذا هم منشغلون؟، ما أفق انتظارهم؟، كيف انتهت حياتهم في حدود ممارسة هذه اللعبة التي سلبتهم كل مقومات الحياة العادية والطبيعة؟، إذ لا حديث بينهم، لا تواصل، لا كلام، السماعات بآذانهم ..الهواتف ممسوكة بدقة باليدين..
العيون جاحظة أمام جبروت الشاشة الصغيرة.. بين الفينة والأخرى ينطق الشاب بكلمة أو كلمتين مع اللاعب أو اللاعبين الافتراضيين الذين يخوضون المعركة معهم من أجل الظفر بالانتصار الافتراضي، فيما صديقه المجاور صامت، لا سؤال ولا جواب، كلهم منغمسون في عالمهم “السحري” أي “فري فاير”، اللعبة التي سلبت عقولهم وألبابهم وحولتهم إلى أسرى معارك وهمية… وإلى “سجناء طلقاء”، سواء بالحواضر أو بالقرى النائية التي تتوفر على شبكة الإنترنت، إنها لعبة “فري فاير” التي أصبحت سلطة قاهرة في مختلف بلدان المعمور، ولم تستثن شابا ولا شابة ممن يهدرون الساعات الطوال، لتمتد للكبار الذين سقطوا في شراك عشقها وفتنتها.
طبعا لا أحد ضد الثورة الرقمية، باعتبارها نتاج التطور الحضاري الذي عرفته البشرية، ولا يمكن لأي أمة الخروج عن سياق القيم المضافة التي استقدمتها التكنولوجيا لخدمة الإنسانية بالدرجة الأولى، كما لا أحد يمكنه، ومهما بلغ من الاقتناع بالفكر الماضوي، أن ينكر المنجزات التكنولوجية، غير أنه من الضروري  التنبيه المستمر لخطورة الاستعمال السيء لذلك، وإلا سيصبح قنبلة سرعان ما تنفجر بهدوء فتحول عقل مستعملها إلى ما يشبه “جثة هامدة”، سيما في لحظة يكون الزمن قد انفلت من بين أيدينا جميعا كماء خانته فروج الأصابع …ومن ذلك الاستعمال غير المعقلن للعبة “فري فاير” التي أضحت مرضا صامتا يجب الانتباه إليه بشدة.
لسنا ضد اللعب والترفيه الهادف لتقوية مهارات الطفل والمراهق،  ولا ضد دوره المهم الذي يوصي به علماء التربية، لكن بشروط عقلنة ومتابعة وتأطير ومن دون إفراط مرضي، تجنبا للوقوع في مرحلة الإدمان التي حذر منها العديد من الباحثين وعلماء البيداغوجيا، وقد أصبحت، للأسف الشديد، واقعا لدى الغالبية العظمى من الشباب، إذ كم من صراعات نشبت بين الآباء وأبنائهم بسبب منعهم من الاستعمال المفرط للهواتف الذكية في أمور لا تخدم دراستهم وتنمية مداركهم ومواهبهم، وحولتهم مجرد روبوتات يوظفون التكنولوجيا توظيفا ذكيا، دونما أدنى وعي وإدراك بمخاطرها، وكم من الآباء ممن باعوا أغراضهم أو اقترضوا من أجل اقتناء هاتف ذكي لأبنائهم.
يجب أخذ نتائج الثورة الرقمية على محمل الجد، بعدما جاءت لإنقاذ البشرية وتحريرها من كل” السلط ” التي ظلت جاثمة عليها، فسهلت التواصل بسرعة البرق، وفتحت آفاقا جديدة وأحلاما وطموحات جديدة،  واستطاعت أن تخلق رأيا عاما وتوجهه، بل وحلت محل بعض التنظيمات السياسية وتدخلت في الانتخابات، وعليه، يجب أن نتبين بعين نقدية رصينة المكتسبات والإيجابيات بغاية الحفاظ عليها، مع الانتباه بجدية إلى المخاطر المحدقة بشبابنا في غياب “الغربال” المساعد على  التصفية، ومن هنا يتجلى دور العائلة في تنبيه الأطفال إلى الاستعمال غير الآمن لهذه اللعبة الخطيرة، لعبة “فريفاير” المدمرة.
والمؤكد أننا نلمس تداعيات اللعبة في النتائج الدراسية التي أضحت هزيلة، وعرفت تراجعا خطيرا ومهولا، مقارنة بالنتائج المشرفة لجيل الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ومن هنا أيضا يتجلى دور كل مؤسسات الدولة، من مدرسة ووسائل إعلام، مكتوبة ومرئية ومسموعة، من أجل التحسيس بمخاطر هذا “الغول” المفترس الذي غزا واخترق البيوت طولا وعرضا، فارضا، وبقوة، سلطته الافتراضية، ما يجبرنا، قبل فوات الأوان، على توجيه الأطفال نحو إيجابيات الثورة التكنولوجية، مع التأسيس لتقاليد القراءة والتحفيز على ذلك، بهدف خلق أفق جديد لديهم، ومحاولة استبدال أي سلوك عدواني كرسته فيهم “لعبة فري فاير”.
لا بد من خلق علاقة جديدة مع الكتاب، علاقة حب وعشق، وهذا لن يتأتى إلا بالمواكبة والمتابعة اليومية للأطفال، دون كلل أو ملل، ما دامت “لعبة فري فاير” قد خربت البيوت المغربية، وخربت عقول الأطفال والشباب، وجعلتهم ينامون في وقت متأخر من الليل، ولا يستطيعون النهوض صباحا للتوجه إلى المدرسة ، ولا شك أنه مع توالي الأيام يبدأ التلميذ في التدهور والتراجع، ناهيك عن الانعكاسات النفسية السلبية طويلة المدى، والتي تسبب القلق والاضطراب حسب تحليل البسيكولوجيين، هي لعبة مخربة وخطيرة، من الضروري توسيع دائرة النقاش حولها حتى لا تنقلب الى قنبلة  قاتلة في وجه مستعملها ومعه المجتمع ككل.
(°) فاعل مدني
error: