وهكذا ضاع الإعلام…

عبد السلام المساوي

ينبغي للإعلام أن يكون بمثابة الشاهد داخل المحكمة، حيث يلتزم أن يقول الحق، ولا شيء آخر غير الحق. وإذا ثبت أنه حاول تضليل العدالة، فمن واجب وصلاحيات القاضي والنيابة العامة متابعته جراء ذلك كما تنص عليه المساطر القانونية المختصة بالموضوع.
لكن بأي معنى يمكن عقد هذه المقارنة؟ إنه ببساطة عندما يتعمد الإعلام قلب الحقائق والإفتراء على الخصوم والأعداء.
نعم، من حق الإعلام أن يعبر عن رأيه المخالف أو حتى المناهض لسياسات بعينها ويكشف الحقائق التي يحاول البعض التستر عليها، لكن ليس من حقه، أخلاقيًا ومهنيًا، امتهان الكذب وتشويه الحقائق، فقط بذريعة أن الخصم والعدو تجوز شيطنته بكل الوسائل، بما في ذلك الكذب والإفتراء.
لست أزعم فرضية حياد الإعلام، لأنها غير ممكنة وغير واقعية، وذلك لأن الإعلام هو للتعبير عن آراء ومواقف متباينة بالتعريف من مختلف القضايا المطروحة على الساحة، إلى جانب القيام بمهمة الإخبار، ونقل المعلومات على أوسع نطاق ممكن، غير أن موضوعية الإعلام ومسؤوليته ينبغي أن تظلا الهدف والغاية في مختلف ظروف العملية الإعلامية.إعلام فج غليظ
يمكن الحديث، إلى ما لا نهاية، عن الإعلام المستقل، غير أن هذا لا ينفي أن كل إعلام موجه بهذه الطريقة أو تلك. هذا ما كان يعبر عنه بأن وسيلة إعلام بعينها هي ” لسان حال ” هذا الحزب أو ذاك. وهو ما يتم التعبير عنه اليوم ب ” الخط التحريري” لهذه المؤسسة الإعلامية أو تلك. أو باعتباره الجريدة الرسمية أو الوكالة الرسمية لهذه الدولة أو تلك.
هذا واقع الإعلام عمومًا في مختلف دول العالم حيث لا تخلو الممارسة الإعلامية من سدود تمنع تسرب الآراء المخالفة إلى مؤسساتها بطرق مختلفة، بعضها يبدو طبيعيًا لكنها بعضها الآخر فج غليظ إن صح التعبير.
وهذا الأمر الأخير هو واقع الكثير من الإعلام العربي بمختلف تعبيراته المرئية والسمعية والمكتوبة والإلكترونية في الوقت الراهن حيث الإستقطاب على أشده بين الإمبراطوريات الإعلامية التي تسيطر عليها كيانات متخلفة ليست تربطها بالحداثة والمعاصرة كبير علاقة. بل إنها، في معظمها، كيانات فطرية ظهرت على السطح في غفلة من الزمن الحضاري، فنشرت تقاليد الإستعباد في مجال هو بؤرة من بؤر التحرر بامتياز، إلى درجة انها لا تطيق التعبير الحر عن الرأي ولا تعير الكفاءة أي اهتمام.
وهكذا ضاع الإعلام، وضاعت القيم وضاعت المروءة التي ينبغي أن تكون سائدة في ميدان صنع الرأي العام وتنمية ملكة تقويم الأشياء
.يتحدث الجميع عن حرية الرأي وحرية التعبير كأنهما شيء واحد؛ والحال إن البون شاسع بين الأمرين. ذلك أن الحرية الأولى تكون عادة مبنية على حد أدنى من المعرفة بالموضوع، محور التداول والحوار والتجاذب بين الناس، أي الإلمام بأهم المعطيات التي تسمح بتكوين رأي مستقل منه أو تأييد رأي قائم، تمت بلورته من قبل آخرين على أساس من المعرفة، بينما ليس هناك أي حاجة إلى هذا النوع من المعرفة، بالنسبة لحرية التعبير، التي قد تنحصر في شعور هذا أو ذاك، الذي ليس بحاجة إلى أكثر من ذلك، ليحق له التعبير عنه بكل الحرية الضرورية.
فشعوري بالألم، على سبيل المثال، لا يحتاج إلى معرفة مسبقة بما يعنيه الألم لأعبر عنه بأي طريقة كانت؛ في حين أن الإسهام برأي حول قضية ذات طبيعة موضوعية ومعرفية أو قانونية أو سياسية يتطلب توفري على الحد الأدنى من المعرفة بالقضية لأزعم كوني أمتلك عناصر تسمح بتكوين الرأي فيها، مهما كان هذا الرأي صائبًا أو خاطئًا لأن هذه مسألة مغايرة تمامًا.
كثيرًا ما يتم الخلط في هذه المسألة فيكثر اللغط وتقل المحصلة النهائية من المعرفة والرأي معًا.

error: