القاص حميد ركاطة يقرأ خنيفرة من خلال ديوان “التْراب لحمر” للزجال حسن كورياط (طنان)

  • حميد ركاطة

 تقديم

 ديوان الزجال حسن كورياط، “التراب لحمر“، الصادر ضمن منشورات “جمعية الأنصار للثقافة” عام 2017، يتميز “بتنوع مواضيعه وأغراضه بين المدع والرثاء والغزل، وتوظيف الرسائل الشفوية، والانتقاد والسخرية، والنقد الذاتي، والاشارة سنوات الرصاص، والتدهور البيئي والحب والألم، وهي مواضيع تمحورت في أغلبها حول محيط الشاعر وقضاياه، لنتساءل عن أهم تيمات الديوان، وبأي خلفية فنية وإبداعية كتبت
 على المستوى المناصي
 العتبات
  • النصوص الموازية
كتب العنوان باللون الأحمر بحروف بارزة، لما له من قوة دلالية محيلة على مجال جغرافي “خنيفرة” التي تسمى بالبلدة الحمراء، أو الحفرة وهي بلدة الشاعر التي عاش فيها وأثرت في حياته.
  • لوحة الغلاف للفنانة التشكيلية العراقية نادية فليح وبها تدرج لألوان تربية بين الأحمر والأصفر والبني، وتحيل على إطار لنافذة غير مكتملة المعالم، أو ظلال مبهة.
في حين تضمنت لوحة للغلاف الثانية صورة للشاعر حسن طنان اثناء قراءته لقصيدة زجلية، مع مقتطف من تقديم الشاعر والناقد عبد الله بن ناحي.
  • النص المصاحب تقديم المجموعة
اتخذ له عنوان” الرقص على ايقاعين”وهو للشاعر للمغربي عبد الله بن ناجي وقد ارتكز على اربعة محاور:
  • -الخطاب المباشر وللخطاب الايحائي
  • -خطاب الذات الجماعية وخطاب الذات الفردية
  • -الايقاع الخارجي والايقاع الداخلي
  • -ثنائية الزمن الماضي والزمن الحاضر
  • الهوامش
تضمن الديوان مجموعة من الهوامش التي إما تعلل أو تضع القصيدة داخل سياقها، أو تبرز تاريخ كتابتها، وبعضها عبارة عن إهداء لشخص ما.
  • إهداء للقايد أمهروق في قصيدة ” فارس زيان” ص 11.
  • إهداء إلى روح الشهيد مصطفى الحمزاوي في قصيدة “سيدي بوتزكاغت” ص43
  • إهداء إلى المعتقل السياسي السابق بتزمامارت، أحمد المرزوقي، “قصيدة مول النظارات” ص53
  • قصيدة مهداة الى روح الفقيد عبد القادر برويش – خو عقا – ص32
لعل وظيفة الشعر اليوم بصفة عامة هو الايغال في الإبداع والمتعة من خلال رصد قضايا اجتماعية ،وسياسية في قالب فني يستجيب للذائقة الخاصة. وبالتالي مشروط بذوق فني وجمالي تعبيري خاضع لقوانين وأسس ومرتكزات الكتابة، والأمر الذي بتنا نلمس فيه نوعا من الإنفلات اليومي من خلال بروز أعمال سيركز فيها العديد من الشعراء على الاهتمام بالموضوع دون مراعاة لشروط الكتابة. وأحيانا جنسها وخصوصيتها. وهو تمرد يكشف عن الضائقة الفنية وعن الإحتباس الكبير الذي يعيشه العديد من الشعراء، جراء الاحتقان في كل حراك اجتماعي ملفت للانتباه.
 تيمات الديوان
 الرثاء
تناولت قصائد الديوان تيمة الرثاء في ثلثي قصائده، وهو ما جعل ميسم الحزن مهيمنا بشكل كبير، كما في قصيدة”فارس زيان“، أو ما نلمسه في قصيدة “خنيفرة كاتبكي” وكيف نسج الشاعر على لسان المدينة حوارا حارقا، وكاشفا فظاعات المنتخبين في حقها، بما تسببوا فيه من إفلاس، وخراب دون إيلائها العناية التي تستحقها:
” خادو مالي اورثي
خلاوني مفقوسة بالحسرة
شايف الكدية اللي قبالتي
كلها كانت مشجرة
قطعوها وما عطاونيش حقي
ولا غرسو فيها ثاني شجرة”
فالشاعر يعزو الخراب الذي أصاب المدينة إلى انصياع المنتخبين إلى أوامر إحدى السيداتالنافذات، وتحكمها في دواليب تسييرها. ويتساءل من جديد عن أسباب ودافع تلك الخيانة ، ليكشف على أنها مجرد مؤامرة محبوكة بشكل جيد، ساهمت فيها العديد من ساهمت فيها العديد من الاطراف، لكن عواقبها كانت وخيمة:
” ضياعنا سبابو ديك الخاينين
ما بغينا سياسة البيع والشرا (…)
بغينا اللي يرد بلادنا خضرا
ويضحي علينا وينصف المسكين”.
فالمدينة تشخصن ويتم رثاءها بحسرة ولوعة في قصيدة ” قالت الشوافة”  وقد وظف فيها الزجال حسن كوريات نفس الخطاب بلهجة أكثر وقعا، وهو ما قد يجعلنا نعتقد أنها امتدادا لنفس القصيدة، ما دامت تتناول نفس التيمة السابقة وتتناص معهاكثيرا معها حد التطابق:
” وقات بلادكم ما فيها أمان
سما الله والأرض ورثوها للأعيان
هاديك لمرا عاملة عليكم سجان
وسياطها محفورة فظهوركم لعريانة”
ويتناص المضمون  كذلك في تلميحاته مع قصيدة “خنيفرة كا تبكي”:”
 خونة وسايكهم مرا”
كما تتم العودة إلى الاشارة الى النهب الذي تعرضت له خنيفرة في خيراتها الطبيعية الإهمال الذي طال تهيئة مجالها الحضري:
” قالت أشجار الأرز كلاتها الديدان
والخشلاع غطا حفاري وحجار”
وتتضمن القصيدة إشارات لاذعة لناهبي المال العام:
” الدياب عبرات جبال او يدان
وموكا عاشرات لحمام فلقفار”
في إشارة للتعايش غير المنطقي والا متجانس بين فئات متناقضة بشكل مطلق.
في حين ترصد قصيدة “المغدور” عما تسببت فيه الخيانة من فظاعات واغتيال في مكان مهجور طال المكنى قيد حياته عبد القادر برويش- خو عقا-، مع ما أحيط بالموضوع من سرية، وغموض حول أسباب وملابسات الجريمة، وحيثياتها:
” القاتل عايش مغرور
كالوا الحوت قتلو الما
وفالواد تكشف المستور”
وتعتبر قصيدة ” رويشة مات” من بين قصائد الرثاء الجميلة التي يرثي فيها الزجال حسن كورياط الفنان الراحل محمد رويشة، بحيث يرصد محاسنه وجزء من مساره الحافل، وكذا مقتطفات من سيرته الخاصة، فالرثاء كشف عن مدى تعلق الجميع بأغاني الراحل، والمكانة التي حازها في قلوبهم جميعا في جميع أنحاء المعمور كما تمت الإشارة إلى مجموع  من عناوين أغانيه:
“كولولميمتي ادجيني
تشوف حالتي كيولات
طار لحمار وتقطع  لوطرات
وعدي كولو لليام رويشة مات”
 
  1. فضح الفساد
في هذا السياق تبرز قصائد الزجال حسن كورياط ( طنان) بجرأتها على البوح والتعبير ارتكازا على رصد الوضع السياسي المحلي المأزوم ضمن سياقات إقليمية ومحلية على امتداد جغرافية كبيرة من المحيط حتى الخليج، منتبها بشكل ساخر، وكاريكاتوري أحيانا الى تناقضات الوضع الراهن: الوهابية، داعش، الإخوان المسلمين، السيطرة الامريكية، الربيع الغربي، الاحتلال الاسرائيلي، الحرب على الارهاب في سوريا والعراق.. “،
وبالتالي يقيم مقارنة كل ذلك بوضع المنطقةعبر الكشف عن محطات قاتمة في التاريخ الانساني بدأ من جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل، مرورا بعصور الصراع الطائفي والمذهبي حتى يصل للوقت الراهن، وهو جرد طويل لحيثيات قضايا تاريخية شائكة قد نفقد القصيدة بعضا من بريقها، بتحولها لوثيق  تاريخية. غير أنها مع ذلك تعمل على  فضح الفساد الأخلاقي، والسياسي، واختلال المنظومة الدينيةعبر عصور، لنصل الى واقعنا الراهن، من زيف ونفاق وهو ما يجعل من عتبة القصيدة” طاحت الاقنعة” نتيجة  حتمية لواقع موبوء عبر تاريخ طويلا جدا.
 وتجدر الإشارة إلى كون قصائد الديوان لا تلتزم ببناء موضوع واحد، بل تتطرق القصيدة الواحدة إلى أكثر من موضوع، وتثير مجموعة من القضايا ذات الارتباط المشترك، في قصيدة “مولات الواد” تتم الإشارة إلى فظاعات الساهرين على الشأن المحلي، حيث توجه أصابع الاتهام المباشر إلى رجال السلطة وما اقترفوه في حق فنانات أطلسيات من عنف بدني، سيتحول الامر لقضية رأي عام محلي:
“اللي حسنو فيها لمرا
أولادها ما زلين خايفين”
وكذلك تتم الاشارة إلى قضية الباحثين عن الكنوز، وما مارسوه على “بعض الاعيان” من نصب واحتيال:
” وقال الفقيه الكنز كاين ف تغسالين”
وهو ما يحول تفاصيل القضية إلى إشارات موجهة  لشخص محدد سبقت وأن أخبرنا عنه الشاعر في قصيدة” موحى او موزون” عن الكثير من حيثياتها:
” مال الجامع صبح مالو
نص ليه ونص للاه لديالو”
كما يتم النبش في حيثيات قضايا عديدة:
” فأرض الجامع حفرو تلقاوه تحت السدرة” في إشارة ال الكنز المسروق.
فقصيدة ” مولات الواد” لا تخرج عن سابقاتها في السخرية “من موحى او موزون” والانفلات الذي حدثت في فترة توليه تسير دواليب السلطة بالإقليم“قضية احتجاج المصلين ذات عيد أضحى، ومغادرتهم للمصلى بعد تأخره المصقود، وبالتالي غضب المصلين ومقاطعتهم للصلاة، إضافة إلى السخيرية من الهيبة التي تمنح له داخل بيت الله “المسجد الكبير”..
” الجامع الكبير عروة المنافقين (…)
فرشو ليه السجادة الخضراء”
كما نلمس إشارات مباشرة دالة على الرجل في هذا المقطع الساخر:
” ليك الله اخنيفرة
ولو هي على لحمك مجامعين
مصو لعظم وكلاو لهبرة
وكيسانهم بدمك عامرين”
 
  1. خنيفرة بين المطرقة والسندان
تتماهى هذه القصائد مع نفس تاريخي، عبر رصد لمجموعة من الوقائع ذات الطابع المحلي الصرف، تبرز تحولاته القاتلة عبر احقاب  وشمت صدر مدينة كانت تسبح للجمال، والخير، والسلم والأمان، والهدوء، إلى مدينة جريحة تعاني ويلات أزمة تحولات قاسية جدا، قسمت ظهرها، ونكلت بأهلها الذين تحولوا من أسياد وأبطال للمقاومة، إلى خونة ساهموا في قلب نظام المملكة. ففي خنيفرة الجريحة:
“الكل فينا صبح خوفان
اعتاقلو مجموعة خويا دحمان
حاكموهم بتهمة فلب النظام”
وستتعرض مدينة خنيفرة حسب الشاعر حسن كورياط إلى الحصار السياسي والثقافي، اللاإنساني، وتم حرمانها مما تمتعت به مدن أخرى من تنمية مجالية ساهمت في تطو ها وازدهارها اقتصاديا وعمرانيا، في حين ظلت البلدة الحمراء تعيش تحت وطأة الحصار والحكرة:
” السورسي بخنيفرة هو لحكام
ما شفع لينا  واخا احنا خوال”
ولم يتوقف إهمال هذه الحاضرة حتى تولى  الملك محمد السادس السلطة. ويشير الشاعر إلى طبيعة الأشخاص الذين كانت توكل لهم تسيير شؤون البلدة، وكيف عملوا بشكل ممنهج على استنزافها:
” جابو لخنيفرة ديب جيعان
وكالو ليه سرح الخرفان
كلا اللحم وخلا البطانة
يكجكج عليها الذبان”
وهو ما عمقمن أزمتها، وساهم في استمرار تدهورها الكبير، وكأن الحصار لم يرفع عنها بشكل مطلق:
” وبعد ما كان السورسي كحل وبيض
ردوه لينا بالألوان
هادي حكاية خنيفرة
من ديك الساع  حتى الآن”
ويثير الشاعر قضية سنوات الرصاص والجمر بخنيفرة، ومعتقلي الرأي بتازمامارت، وما اقترفته الدولة في شخص بعض وزراء الداخلية  والقضاء.
 
  1. اغتيال الحمزاوي
من بين القصائد التي يثير فيها قسوة النظام وفظاعته، إشارته إلى أسباب وملابسات اغتيال الشهيد مصطفى الحمزاوي، والطريقة التي تمت بها دفن جثته. وهي قضية شغلت الرأي العام الخنيفري، والوطني وتحول فيها “الحمزاوي” إلى رمز من رموز المدينة:
“ساعة قبل لفجر
حفرو ولاحوه
جيت نزورو ما عرفت لقبر”
ويبرز عنوان القصيدة، في إشارته إلى جانب من جوانب المقدس، والروحي بالمنطقة كمزار لولي صالح” سيدي بوتزكاغت”، وفي نفس الوقت لمقبرة (قيل بأن الحمزاوي مدفون بها في قبر مجهول)، لما للأمر من دلالة الارتباط سيميائيا بالتراب الأحمر في إشارة الى البلدة الحمراء خنيفرة. أو “الحفرة”بنوع من الألفة والتمييز الدال على الهوية. وهو ما يكشف عن المكانة التي حضي بها الشهيدبعد مماته. وستعرف المدينة تحولا على مستوى التدبير المحلي لأول مرة في تاريخها، بتولي الاشتراكيين تسيير دواليب الشأن العام محليا ووطنيا.
في حين تقدم لنا قصيدة”مول النظارات الكحل” الاشارة الى قضية معتقلي الرأي بتازمامارت، وخنيفرة  وما ارتكبه النظام، في شخص وزير الداخلية الأسبق، “إدريس البصري” من فظاعات في حق الإنسانية إبان ما بات يعرف بسنوات الرصاص والجمر. ويمكن تقسيم القصيدة الى أجزاء كل واحد منها يكشف عن أسباب الاعتقال، والمراقبة التي كانت مضروبة على الساكنة زنقة زنقة، وحيا حيا:
“مول النظارات الكحل
فرنساوي العقل والبيبا فالفم
هو اللي فكل زنقة دار مقدم”
وفي الجزء الثاني نلاحظ تحولا في البناء والخطاب، فبعد خطاب وصفي تقريري ينتقل الشاعر الى حوار بين سجينين وعصفور، من خلال الكشف عن تفاصيل غائبة:
“جا طير وعلى الزنزانة نزل
بان ليه مسجون بالقيد فالرجل (…)
ادخل السجان ومع الطير تكلم”
وهي اللحظة التي عمل فيها الشاعر على تحويل مجريات الخطاب من السحين الى السجان:
“كيف ترضى لجندي بحالك يتبهدل
فين القسم وغيرة المسلم”.
فالقصيدة تنتقل من أسلوب الوصف لأسلوب الحوار، والوعظ بصيغ متعددة، وتلعب على رصد الداخل والخارج. لكنها لا تخرج عن سياق الحديث الحميمى والتداولي اليومي، بتوظيف بليغ.
 
  1. بين الحب والألم
تتنوع ضروب الكتابة وأغراضها تبعا لضائقة الشاعر، وطبيعة التوظيف، بحيث ننتقل من الرصد الحارق للواقع السياسي، والاجتماعي المتردي الى رصد لما يخالج الذات الشاعرة من مشاعر متضاربة داخل نسيج علائقي متعدد المسارات بين الحب، والالم، واللوم، والعتاب.
في قصيدة ” فات الأوان”  المفعمة باللوم والعتاب على المرأة التي تخلت عنه، وتسببت في ألمه وحرقته الكبيرة، وقد عادت إليه بعد غياب طويل، لتعبر عن ندمها وأسفها الشديدين، لتطلب منه إعادة الامور إلى نصابها. فكان رده حاسما وكشف عن قوة بعد ضعف وانكسار، وهوان كبير:
” اش جابك ثاني
فات الأوان (..)
بصراحة ما فيك أمان
وقلبك تعلم الطغيان (..)
والماضي ما يردو إنسان”
إلى جانب الإحساس بالألم من تجربة الحب المؤلمة، والخروج بعدها منتصرا تكشف قصيدة “قصة الحب” الموقف الشخصي من الحب وتداعياته على المحبوب، الذي لم يكن سوى الشاعر، وهو ما يجعل الكشف في القصيدة يدخل ضمن رصد التجربة الذاتية، ومدى العبر المستخلصة منها:
“يا قلبي عنداك تيق فالحب
وتقول عندك معاه تجربة
راه نظرة منو نجلب
وتلقى في النفس الهيبة
ما فيها لا طبيب ولا مجرب
كيتو قاسحة وغريبة”
كما تتم الإشارة الى قسوة النساء في الحب من خلال قصيدة “وردة الدفلة” يقول الشاعر :
“تبقى هكذا حتى لين
ربي واش هادي نهايتي
بحر فراقها القلب حزين”
 
  1. النقد الذاتي
يوجه الشاعر لذاته انتقادات عدية في قصيدة ” الأيام الكذابة”يجلدها جراء تقصيرها وتفريطها وإضاعتها فرصا ذهبية عديدة عبرت دون أن  يحسن استغلالها. ولعلها فرصا كانت في زمن ولى يستحيل استرجاعه
” ولات ليام معانا كذابة
ما نوينا حكام الغدر يكون حزين”
  1. على المستوى التداولي
تنوعت ضروب الكتابة داخل قصائد الديوان وتعددت، لتكشف عن تجربة الشاعر ووعيه الكبير، بحيث نجد قصائد غنائية تميزت بإيقاع ووزن سلس. بلغة موحية مساعدة على التداول، ترتحق من حقل لغوي مناسب للغرض الشعري، كقصيدة” سولوني عليها”  التي تتغنى بمحاسن المحبوبة التي سلبت لب الشاعر، وأذكت هيامه وعشقه. فالذكريات تتداعى صورها داخل القصيدة، يتم استرجاعها بالقوة، لتكشف عن عالم جميل مكانه الحنايا والقلب الذي امتلأ بالحزن والالم، وهو ما أشعل نار الذكرى المنسية من جديد بين طياته:
” نيران عشقها طفات عاوتاني شعلتيها
ياك هي غلطات أشنو ذنبك إلى فرقتيها”
 
  1. توظيف الرسالة الشفوية
يتم توظيف الرسالة الشفوية داخل قصيدة” صاحبي بلغ رسالتي” وهي رسالة تذكرنا بلحظات عسيرة جدا، الشاعر في حشرجة الموت، لحظة بقدر ما تكشف قسوتها تبرز الوطء الكبير على الذات:
” صاحبي، بلغ رسالتي
وسلم على الأهل والإخوان”
غيرأنها لن تكون رسالة عادية، لكونها ستتضمن حيثيات الكشف عن سر من أسراره:
” وعرفهم السر اللي فحياتي
وعشتيه معايا من زمان”
إن ما يميز رسول المحتضر هو كونه كان شاهدا على العديد من الأحداث التي وسمت مساره، وتقاسم لحظاتها معه.ما يجعله شاهد إثبات في قضايا عديدة ووفيا على تبليغ مضمون الرسالة بحذافيرها، وهو ما يمكننا الكشف عن بعض منها وصاياها من قبيل:
  • الخيبة في الحب الذي انتهى بخيانة
  • قسوة الحياة، خيانة الإخوة ومناصبتهم العداء له
  • التخلي عنه لحظة المرض والضعف
فالرسالة تلقي باللائمة على المحيط، والظروف، وتعيد للأذهان مساره الحافل بالألم  الذي ساهم الجميع في إذكائه.
 
  1. الانتقاد والسخرية
ما يمكننا تسجيله في هذا الباب حول هذه القصيدة هو طابعها التقريري الساخر، ورسائلها التي تتحول في بعض الأحيان الى نوع من التعريض، غير أنها لا تنزل إلى مستوى قدحي، مبتذل، بقدر ما تجعل من التهكم  والفضح أحد ركائزها في البناء الساخر. فموحى او موزون شخص قام بتفويت مجموعة من مشاريع التهيئة الحضرية لاهله وعشيرته،  كما يفضح الشاعر تاريخه الماجن، وعلاقاته السرية الفاضحة:
“الزغاريتوالماية
والشيخات كيشطحوقدامو (…)
مال الجامع اصبح مالو
نص ليه ونص للأهل ديالو”.
على سبيل الختم
إن ضروب الشعر اليوم بقدر ما تعددت وتنوعت التزمت أساسا بمجموعة من المرتكزات والمحددات، والقواعد التي  تحمي البناء من الانهيار، وتضمن له أحقية الانتماء لمحددات الجنس الأدبي، وتميز خطاب الشعر عن الخطاب التداولي اليومي، أو الخاطرة، لذلك فمن خلال قراءتنا لمجموعة من قصائد هذا الديوان لاحظنا أن الخطاب المباشر وظف للسخرية، أو الهجاء، أو التنبيه لحالة أوضع شاذ.
وأعتقد انه من المستحب أن توظف جماليا، فأن كانت ظروف وملابسات كتابة قصيدة ما، مرتبطة بحدث، وزمن وأشخاص وقضية، فإن الإحالة اليها من باب التنبيه، يكون داخل إطار الغرض، دون الانفلات عنه داخل النص، كي لا يسقط في التمييع. كما تجب الإشارة أن للهجاء أسس بناء، ومواصفات، لا يستحب الخروج عن جمالياتها، ومرتكزاتها بتحويلها إلى تعريض وقذف مباشر، أو قضية رأي عام. لان شروط انتاج القصيدة الشعرية تختلف عن مقومات كتابة المقالة الصحفية.
وفي الأخير يجب الإقرار أن قصائد الزجال حسن كورياط (طنان) تنم عن غيرة، وعشق منقطعي النظير للبلدة الحمراء، التي سخر قصائده للدفاع عنها، وإبراز مكانتها بين باقي مدن المغرب، فالشاعر هو لسان حال أهله وعشيرته، والشاهد على مختلف المتغيرات التي تمس محيطه سواء سلبا أو إيجابا، ليبقى “ديوان التراب لحمر”إضافة للمنجز الابداعي المحلي الذي يؤرخ لولادة زجال محنك، يعزز الخزانة الأدبية الوطنية ويسد خصاصها حول الأدب المحلي والجهوي الخاص بالأطلس المتوسط بالدارجة المغربية.
 
 
error: Content is protected !!