الإنتاج الدرامي المغربي الرمضاني قراءة في نسبة المشاهدة ودلالة الأرقام

بقلم: أحمد طنيش

أستهل هذا الموضوع بطرح سؤال يشغلنا نحن كإعلامين وفاعلين في المجال الفني وهو لماذا الإنتاج الوطني الدرامي في الواجهة خلال هذه السنة؟ قبل مقاربة هذا السؤال الإشكالي وتفكيكه لمعرفة لماذا إنتاجنا الوطني الرمضاني الدرامي في الواجهة في هذه السنة؟ يحيلنا الأمر في البدء إلى مناقشة عدة مجالات مترابطة ومتداخلة، والتي لها علاقة جدلية بالجواب الضمني أو بالماوراء “لماذا”، الأمر يتطلب منا مناقشة ثلاثة قضايا وهي: الإنتاج الدرامي عموما والجديد منه على وجه الخصوص لموسم الإنتاج 2019/2020، تم متواليات الزمن الرمضاني باعتباره فرصة زمنية للبرمجة الدرامية، تم محطة زمن البث الذي يأتي في مرحلة الحجر الصحي بسبب كورونا كوفيد 19، في مرحلته الثانية التي تلتقي مع زمن رمضان تحديدا بعد الفطور..

الإنتاج الدرامي ونسبة قياس المتابعة:

تم اعتماد نظام قياس المتابعة الجماهيرية بالمغرب منذ سنة 2008، وكانت الأرقام دائما متفاوتة النسب وتنتقد في كثير من الأحيان وتعتبر نوعا من الاستراتيجيات الاقتصادية لبيع المنتوج وفرصة لشركات الإنتاج والجهات التي تنفذ الإنتاج لتثبت جدارتها وبالتالي تربح سوق ترويج بالأرقام ومن خلالها، مثل الجرائد الوطنية التي تبيع مساحات الإشهار في منابرها من خلال قياس نسبة المبيعات وهنا لزاما أن نشير إلى رقم هام وهو أن القنوات التلفزية الوطنية خصوصا الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، والقناة الثانية، تستأثر بأكثر نسبة من التتبع تصل إلى %75 خلال فترة الذروة، حسب “ماروكمتري” المركز المهني للقياس، مما يفسر حسب تأويله وأرقامه أن المغاربة يتابعون المنتوج الوطني  بشكل أكثر، والسؤال الذي لم يطرح ولم يوضع له قياس، ما هو العدد المتتبعين الذين غيروا القناة بسرعة، أو بعد خمس عشرة دقيقة أو نصف ساعة ؟ ثم هل هؤلاء المتتبعين يفضلون تلك القنوات فعلا أم يطلون عليها من أجل الفضول أو يمتحنونها ؟ وهنا نستحضر نسبة الانتخابات التي يقاطعها الأكثرية وتقاس نسبة المشاركة بعدد الأقلية المصوتة بدون قناعة في كثير من الأحيان، وتهمل الأرقام الدالة للمقاطعين مع العلم أن نسبة المشاركين تناقش لكون عوامل أخرى تدخل على الخط ومنها شراء الذمم وأسباب أخرى..

تشير مؤشرات التتبع أن ما يعادل %25، من المتتبعين للقنوات الأجنبية تتوزع بين أكثر من 1000 قناة فضائية عبر المعمور، فهل هناك مصداقية حقيقية لهذه الأرقام؟ لذا نسائل هذا الرقم، كيف ولماذا؟ هنا نستحضر التتبع الذي يخص الأجانب المستقرين بالمغرب، وسابقا الذين يتواجدون في المغرب بفضل السياحة، وهذه النقطة الأخيرة غير حاضرة حاليا بسبب واقع الحال، ونقطة أخرى تخص الفئة المتعلمة بالمؤسسات الأجنبية المستقرون في المغرب فقط وهم مهاجرون تعليما واقتصادا وواقعا إقتصاديا وتواصليا ولغويا وحتى إعلاميا ودراميا، وبهذا نفترض أن نسبة 25% مهاجرة للإنتاج الوطني، فهل وضعت لها إستراتيجية ما للمصالحة والعودة أو التجاوب مع تطلعاتها، أو بالأحرى البحث عن الأسباب والدوافع؟ ألم نتساءل بأن تلك النسبة المشار إليها بتصريح رسمي متمثل في 25% ستؤثر على  نسبة 75% وقد تعوضها بل قد تفوقها ومن الممكن أن تلغيها حينما تتصاعد لتصبح قاعدة مع تصاعد ثقافة الهجرة الإعلامية والدرامية التي تؤججها عدة عوامل من داخل الدراما ومؤسساتها وشركاتها ومنتجيها ومستشهريها، سيما وناقوس المقاطعة قدم إشعارا مبدئيا لثورة الرفض المستقبلية، سيما ونسبة التدمر عالية ومرتفعة وقد أمسى الرقم علبة سوداء لم يتم الالتفات إليه لا على مستوى تطوير المنتوج ولا على مستوى ديمقراطية البرمجة ومصداقيتها.

 يصرح تقرير الجهة الرصدية “ماروكمتري” أنها تعتمد على قيمة المنتوج الدرامي والمواهب الوطنية الموظفة في ذلك المنتوج، والسؤال هنا، بأية مقاييس ومعايير يتم الحكم على هذه القيمة وبأي تحديد توصف المواهب الوطنية؟ وإلى أي مرجعية تعتمد البرمجة؟ مع بروز ملاحظات مركزها أن الجميع أصبح يعلم أن الذي يقود هذه البرمجة  وعقبها تحديد المنتوج ومواهبه هو المشهر الذي له سلطة على شركات الإنتاج الخارجية منها والداخلية، وفق إستراتيجية لها علاقة بما هو اقتصادي المادي محض واستراتيجي إيديولوجي في كثير من الأحيان، والدليل أن المتفرج اعتاد إساءة كبرى للخيط الدرامي والتتبع الفني الذي يتدخل فيه المستشهر لقطع اللقطة والمشهد ليمرر تجارته الأمر الذي يشبه مقاطعة المتكلم لقول أشياء خارج النص، وفي كثير من الأحيان تكون تلك الوصلة التجارية أو الإشهارية نقيد للمشهد وكأنه إمعان في التسفيه وترويج الرداءة، ويشبه هذا القطع المخالف للقطع والانتقال المشهدي، للحكواتي في الحلقة التي يقطع لك الحكي حينما يخلق لك التشويق ويرفع قبعته للتسول وبيع ما تبقى من الحكاية بدريهمات.

نعود لنقطة أخرى يقوم بها الراصد عن طريق قياس نسبة المتابعة وهي إعطاء أرقام تخص كل إنتاج درامي على حدة، وتمرر داخله برامج ونشرة الأخبار البعيدة عن الفعل الدرامي وهي تقنية التمويه للبحث عن المصداقية المشكوك فيها والتي يكشفها بعض المتتبعين من خلال تصريحاتهم في وسائط التواصل الاجتماعي، كما تكشف عنها بعض الكتابات النقدية التي تتناسل حول الإنتاج الوطني بمناسبة رمضان بالخصوص، والتي يتبين من خلال محتوياتها أنها تناقش الأرقام المصرح بها، لكون الملابسات متعددة في ظل غياب الحياد والشفافية، غير أنه وبالفعل تعتبر هذه السنة استثناء في نسبة المتابعة المرتفعة، الأمر الذي يدفعنا أن نقرأه من عدة زوايا بين دلالة الأرقام والاستثناء المشهود في نسبة المشاهدة.

لا ننسى هنا أن مسألة القياس والبرمجة لهما خلفيات متعددة ومن ورائها زبونيات وأحيانا رشاوي وريع وفق ما صرحت به بعض الجهات وبعض الأسماء في مناسبات مختلفة، مع ملاحظة مركزية هناك من سكت عن الحقيقة حينما استفاد وصرح بالواقع حينما حرم/فطم، لكن الأساسي هنا أن هذا القياس والبرمجة، يخلق نوعا من المنافسة الذي يبرر كيف تكون في أحيان قليلة شريفة وفي كثير من الأحيان غير شريفة، سيما ولهما ضحايا كثر يعانون من تأخير عملهم في البث، لاعتبارات لا علاقة لها بالمجال الإبداعي الفني أو التقني، وهناك فئة ليس لديها علاقات داخل القنوات أو تعتبر من المغضوب عليها بسب أو بآخر، يؤجل لهم البث لما بعد رمضان، وهنا تدخل مسألة صراع السوق، الذي له علاقة جدلية بالإنتاج والترويج، ويذكرني الأمر هنا بلجن المركز السينمائي المغربي التي تخلق لمهرجانها لجن فرز للتأهيل للمهرجان ولجن البرمجة ولجنة التحيكم، مع العلم أن ذاك العمل الذي يمر من خلال هذه اللجن كلها مر من لجنة القراءة والدعم، بمعنى أن العمل السينمائي الطويل أو القصير مر من دواليب أربع لجن، ومع ذلك لا يتأهل بعضه ليمر بالمهرجان الوطني، فكيف نقرأ هذا الواقع؟ وكأننا مع تلاميذ لهم إمتحانات مرحلية ولهم التتبع تم الامتحان الوطني وعليه احتساب النقط لينجح أو يرسب وهنا تتدخل الإشكالية الحاصلة في مجال التقييم والتدبير الممارس بين القطاع الخاص والعام، هي نفس الدواليب يمر منها الإبداع ونفس العقليات تتحكم فيه ويمر هو الآخر بنفس اللعبة وفي أحيان كثيرة بتواطيء مع من يسمى بالمبدع المتواري وراء المنتج، وهذا ما يفسر أننا وصلنا إلى مرحلة المنتج المخرج.

وهذا ما يفسر لنا السباق المحموم في مجال الإنتاج الدرامي الرمضاني والذي تؤججه جهة القياس ويكون فيها بعض الأسماء الفنية من ممثلين كما المنتجين والمخرجين أطرافا تخلق المتسابق والمراهن والأرانب وكأننا في قمار في شهر العبادة، وحتى القنواة التلفزية تلج هذا السباق والرهان لكسب مكانة لدى المشهر بأرقام نسبة أكثر مشاهدة، توظف وتترجم إلى علاقات اقتصادية وسيولة مالية ومشاريع مستقبلية.

 الإنتاج الدرامي في زمن كورونا:

نشير أننا في زمن مختلف مع كورونا تتحقق فيه معطيات هامة وهي أن الجميع قابع في البيت ومعظم المؤسسات تعمل عن بعد وأن المجتمع الآن في مواجهة اشكالية واحدة المتمثلة في فيروس كورونا والذي أصبح منذ شهور حديث كل الناس وكل المؤسسات وكل المسؤولين وكل الدول وكل القنوات والمواقع ومنابر الإعلامية التي تحولت بسببه إلى منابر الالكترونية هذا الوباء الذي أصاب ضحاياه بأرقام مهولة سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، وفي كل لحظة تتكلم لغة الأرقام هنا وهناك عن نسبة المصابين والمتوفين والمتعافين، في مرحلة أصبحنا فيها وجه لوجه مع شاشاتنا الإلكترونية مع الحاسوب والهواتف تم التلفزيون، وهنا يمكن أن نصرح أن الأعلى نسبة متابعة بمصداقية وشفافية وواقعية هو الإعلام عموما ونشرات الأخبار على وجه الخصوص، وأن الإعلام والصحافة في الصفوف الأولى مع المستشفيات والأطباء ومراكز التحليل والبحث العلمي.

مع حضور الإعلام في الصفوف الأولى بسبب زمنية وكونية الخبر الحالي المهيمن على جميع المؤسسات والمتتبعين ووسائل الإعلام السمعي والسمعي البصري والإلكتروني، يأتي زمن رمضان في العالم الإسلامي، وليست هناك مساجد ولا حج ولا تجوال ولا زيارة الأهل والأحباب، ليكون المواطن وجه لوجه مع التلفاز، سيما وقد جاء رمضان في المرحلة الثانية من الحجر الصحي وقد مل المتلقي من تتبع الروتين اليومي لأرقام كرورونا، سيما وقد استأنس مع الوضع الجديد وأصبح يبحث عن بديل يكسر به نمطية اليومي، وكان هذا المتنفس والتعويض هو الدراما الوطنية في الزمن الرمضاني، ولهذا السبب يلاحظ ارتفاع نسبة المشاهدة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بشدة ما هو التقييم الحقيقي لهذه المشاهدة؟ وهل سترتفع مع باقي الأيام الرمضانية، أم ستتراجع إلى الوراء؟ سيما وللقراءتين معا مؤشرات تتصارع الآن لتجيب عنها الأرقام الحقيقية المنتظرة خلال باقي الأيام، فهل هناك مؤسسة مواطنة مستقلة لها شفافية الرصد لتقدم لنا الأرقام الحقيقية ؟

error: