مواقع التواصل الاجتماعي: صناعة عقول افتراضية

  • فاطمة الزهراء العمراني

شهدت الحياة البشرية تطورات بارزة تمثلت في تحديث، وتجديد المستوى المعيشي، وكذا جل المجالات التي تعنى بتوفير الضرورة المعيشية، وباعتماد الإنسان ،على وسائل متجددة لتحسين نمط تواجده، وكذا طرق إبداعية لمواكبة السيرورة التناقلية للحياة، فقد استطاع خلق حيز إنساني صرف، جمع فيه بين المحسوس واللاملموس، وبذلك يكون وفر كل ما يحتاجه وما يكشف عنه العوز ليعيش.

لم يقتصر الإنسان فقط على مراعاة حيثيات الوجود مع “المادة”، بل أيضا كيفية خلق تواصليات بين خلياته وفق علاقات اجتماعية من مختلف الأعمار والطبقات، فهيكلة وتنظيم المحيط تتطلب تداخلات فكرية متخالفة، وإمكانيات حدوثها تتم من خلال ابتكار فضاءات تبادل الآراء و الأفكار والمواقف، قد يتم بالطرق التقليدية (مقهى، صالون، عزائم، زقاق،….) أو برقمنة اللقاءات والانتقال تكنولوجيا من الزمن الواقعي إلى الزمن الافتراضي بحيث تعوض الوجوه بشاشات الآلات وتتقلص مسافات اللقاءات ويصبح من السهل خلق محاكات إنسية.

لقد ساعدت التكنولوجيا الإنسان على تخطي الواقع نحو الخيال، وفتح من خلالها أبواب النظر عن بعد، وامتلاك رؤى على مدى يتجاوز امكانيات تفكيره الطبيعي فصار الحديث عن تحديث العقل الانسي وإمكانية صنع آلي تتمتع بذكاء يعادل أو يفوق الفكر البشري، وللحديث عن مزاياها لا يمكن اختصاره إلا في كلمة “الانفجار التكنولوجي”، ونسلط الضوء فقط على أحد أقطابها، وهي مخافر التواصل الاجتماعي التي لمت شمل العلاقات الاجتماعية بمختلف أنواعها، ومن خلالها يجدر التساؤل: 

  • هل من الممكن أن نتحدث فعلا عن تواصل اجتماعي؟ أم نتحدث عن ادمان رقمني؟

  • هل باستطاعة مواقع التواصل أن تعوض بشكل كاف العلاقات العادية بين الناس؟

لقد تخطت نسبة استعمالها كل التوقعات، وصارت بمثابة عادة، أو حتى رمزا للتقدم بين الشرائح البشرية، ومن الممكن أن نصف هذا الاستعمال بالقيد الالكتروني بواسطة أصفاد حرية الاستعمال، صحيح أن المجتمعات يتزايد عدد افرادها وباتت شبيهة بغازات مضغوطة داخل قارورات التكنولوجيا، ولامجال للتحرر منها طالما الأفراد مدمجين لمواكبة تداعيات الحداثة والعصرنة من أجل صناعة جيل العولمة الرقمية، إلا أنه ليس سوى تيهان داخل أرخبيل عوالم التواصل الاجتماعي، إن اللادراية وارتداء عباءة الانسان العصري ليس سوى إذابة وصهر للعقول بدافع التقدم وتتبع السائر نحو التطور المستقبلي.

مادام الانسان يحمل حقيبة سفر داخل آلته، وهو مستلق في بيته، هل هناك ثمن لكل تذكرة يقطعها؟.

 وإنه لمن الواضح القول إن الثمن الوحيد الذي يدفعه هو فقدان شهية العيش داخل الواقع والتزامه بعوالم تقدم كل الحاجيات والرغبات سواء اكانت بين الشخص وآخر أو فقط شخصية ذاتية.

لكن ألا نعلم بأننا نعطل الفكر الانسي مقابل تعويضه بالفكر الاصطناعي لما صرنا نتحدث عن الذكاء الاصطناعي؟.

صحيح أن عقولا بشرية هي من تعمل على هذا الابتكار، لكن أليست الفكرة نابعة من العوالم الافتراضية؟، ثم لم لا نتساءل يوما عما إذا كنا قادرين على التعايش مع كائنات آلية كيفما كان نوعها؟، فقط اننا نبحث عن التميز ببراءة الاختراع، وطبعا جعل العالم يفتخر بدول تكافح بشكل بطيء جدا داخل دوامة التطور.

  • هل سياتي اليوم الذي يتم فيه الاستغناء عن الصديق الانسان وتعويضه بالصديق الآلي؟.

اذا كان الجواب نعم، فلا حاجة لأي شخص خارج دائرة الشغل المعلوماتي، ولا حاجة ولا فائدة من شخص الانسان ما دمنا سنصنع آلات شبيهة به، وربما تفكر أفضل منه!، أو نقتنع بأن الاختلاف ليس في الأجسام المعدنية للآليين مقارنة مع الأجساد الانسية، وحينها نجد أن عقل الانسان الطبيعي صار جسما آليا دونما إحساس أو شعور.

والمؤكد أن التواصل الافتراضي ليس سوى استعباد مقنن تحت وصاية الحداثة، بل انه ليس سوى نظامات ربحية تجعل الانسان لا إراديا يطلب ويتكل على كل التسهيلات التي تزخر بها عليه، علما أننا أمام مشكلة الإدمان المبرر ب “إنه عالم المستقبل والتقدم”، وفي الحقيقة ليس إلا تسويق وتقييد بحبال افتراضية لكل شخص يزعم أنه عاجز أمام التخلي عن حريته التي تسلبه منها مواقع التواصل وهو يبتسم،

انها سموم فكرية تمرر بحجة العلم وتتبع الخبر السريع، اننا فقط نتوفى سريعا، ومن الأجدر أن نقول بأننا نقوم بأداء ما يشبه “التجنيدات الآلية” تحت وطأة اللاشعور، ونكون سجناء العوالم الافتراضية، وهي الحقيقة التي صار من اللازم الاقتناع بها، ولا يمكن الاكمال دونها، ولا بديل الا هي أو لنقل وُجدت عندما أحرقت كل البدائل لتستثني وجودها ولتهيمن، وتتم تجديد صلاحيتها وكذا أثمنة أسهم صانعيها.

اننا فعلا أمام فوضى بتسمية الحضارة والتنوير والتقدم، إلى غير ذلك من المصطلحات التي غرضها إعطاء رمز المصداقية والوفاء لمستعمليها، وهنا نواجه أزمات عدة، أخطرها صناعة عقول افتراضية وأجساد  تسير واقعيا ولن نعي بدرجة فداحة الأمر إلا عندما نفقد الصبغة التي علينا أن نعيش بها إذا تم افطامنا!، وليس من الواضح أن العزوف عن استخدامها، أمر ممكن الحدوث بل بات “حلما”.

فالحاجة إليها وكونها أشبه بالعصب الحساس للتحركات الانسية والمساند الرسمي لكل المتطلبات لا يشير أبدا و نهائيا إلى امكانية الامتناع عنها، وهذا مثبت وفق احصائيات سجلت تزايدا ضخما لمستخدميها، إذ بلغ عددهم 3,2 مليار سنة 2018 أي أكثر من 40 بالمائة من سكان العالم، وتم تسجيل أزيد من 4,54 مليار سنة 2020 أي 59 بالمائة من مجمل سكان العالم، وهذا يؤكد استحالة الاستغناء عنها، ومادام الانسان مرتبطا بالتكنولوجيا فذلك يعني أنه أسير لها مدى الحياة، وقد يحصل أن يمتنع هذا الإنسان عن مواقع التواصل الاجتماعي لكن عندما يكون قد أصبح آلة…

error: