غياب إستراتيجية فلاحية بإقليم جرادة زادت من حجم معاناة أبنائه

الطيب الشكري
موارد طبيعية لم تستغل بالشكل الجيد
لعل ما يميز عين بني مطهر المدينة و الجماعة هو توفرها على فرشة مائية مهمة و تربعها على أراضي شاسعة بآلاف الهكتارات تأهلها لأن تكون قطبا فلاحيا مهما إلى جانب مدن و جماعات إقليم بركان، لكن للأسف الشديد غياب إستراتيجية فلاحية واضحة المعالم جعلت منها مجرد مدينة و جماعة بلا أفق تنموي أو إقتصادي يخرجها من عزلتها و من واقعها المألم الذي لا يختلف إثنان على تفاقمه و بشكل مقلق للغاية أمام إستمرار شبح الجفاف الذي يضرب النجود العليا منذ سنوات والذي أضحى معطى بنيوي حقيقي و إنعدام فرص عمل حقيقية لشبابها و أيضا غياب رؤيا مستقبلية لأي مدينة أو جماعة قروية نريد!
واقع جماعة بني مطهر لا يختلف كثيرا عن واقع باقي الجماعات القروية بالنفود الترابي لدائرة عين بني مطهر التي تتوحد في المأساة و في ضعف البنى التحتية وفي غياب أفق إقتصادي واضح المعالم و تتوحد جميعها في غياب فلاحة عصرية تعتمد على التقنيات الحديثة وعلى إستغلال جيد و أمثل للأراضي التي تتربع عليها هذه الجماعات الترابية التي تبقى رهينة حسابات سياسية ضيقة و لتعصب قبلي عقيم يشهر في كل واقعة ورقة الانتماء الجماعة السلالية و كذا إلى سوء تقدير من المسؤولين و التي أضاعت عنا سنوات و سنوات من التنمية جعلت و للأسف الشديد أقلية صغيرة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة متحكمة في رقاب العباد و البلاد هي المستفيد الوحيد من إستمرار هذا الواقع الذي يجثم على صدور ساكنة هذه الجماعات مجتمعة.
جماعات تختلف في التسمية وتتوحد في المأساة
فلا يمكننا إستقراء واقع جماعة بعينها بمعزل عن واقع باقي الجماعات الترابية الأخرى، جماعة أولاد غزيل، جماعة لمريجة و جماعة أولاد سيدي عبد الحاكم إضافة إلى جماعة بني مطهر ، فإذا كانت بعض من هذه الجماعات قد عرفت مشاريع تنموية و لو بنسب مختلفة لا ترقى إلى ما تطمح إليه ساكنة هذه المناطق فإن باقي الجماعات تعيش نفس الوضع الذي عاشته منذ عشرات السنين ، تغير الواقع على مستوى التدبير الجماعي للشأن المحلي و كذلك على مستوى رئاسة و مكتب هاته الجماعات لكن الواقع هو هو لم يتغير و لو بشكل نسبي بل يزداد تفاقما يوما عن آخر في غياب مؤشرات حقيقية توحي بأن هناك تغيير قادم و النتيجة هي ما نشاهده يوميا و يعيشه المواطن الذي استسلم هو الآخر لهذا الواقع الجاثم على صدره في غياب أي تفاعل من الجهات المسؤولة سواء على المستوى المركزي أو الجهوي أو الإقليمي أو حتى المحلي و التي لم يرق تدخلها إلى مستوى الخصاص الذي تعيشه هذه الجماعات وساكنتها التي توجد خارج الإهتمام الحكومي و يبقى أملها الوحيد معلقا بين جود سماء لم تمطر بالقدر الكافي و سخاء أرض تحولت إلى ورقة رابحة في أيد أقلية إستغلت منصبها وقربها من مركز القرار المحلي لتفصيل هذا الرصيد العقاري الهام على مقاسها و ضرب حقوق أبناء الجماعات السلالية و ذوي الحقوق الذين وجدوا أنفسهم فجأة ودون سابق إنذار في مواجهة مقررات نيابية تستهدفهم وتتهدد أراضيهم دفع بالبعض منهم إلى اللجوء إلى القضاء للإنصاف والطعن في قرارات اتخذت في غفلت منهم ودون إعطائهم الحق في الترافع و تقديم الحجج التي تأكد أجسادهم في الاستغلال.
ضرورة القطع مع الماضي و التوجه إلى المستقبل بآفاق جديدة
و يأتي حراك إقليم جرادة و ما أفرزه من نتائج قد نتفق وقد نختلف عليها لتتيقن الحكومة و معها وزارة الفلاحة والصيد البحري و التنمية القروية أن في إقليم جرادة و في عدد من جماعاته موارد مائية و أخرى طبيعية يجب استغلالها لإمتصاص العدد المتزايد من العاطلين و هو يقين تأخر كثيرا بسبب الإهمال و اللامبالاة التي طالت هذا الإقليم المنكوب و لم يتم إستغلال ما تزخر به الجماعات الترابية استغلالا عقلانيا بعد أن تكرس في ذهن أغلبية مسؤولينا مقولة المغرب غير النافع التي ألصقت به و بعد أن نفضوا أيديهم عن شيء اسمه تأهيل إقليم جرادة بجماعاته الترابية ، فمطلب إحداث مدارات سقوية ليس وليد لحظة معينة من عمر إقليم ظل يرافع عن نفسه من أجل حق أبنائه في التنمية و إنما هو في واقع الحال مطلب قديم ظل أبناء إقليم جرادة يطالبون به و يرفعون ملتمسات بشأنه عقب كل حركة احتجاجية تعرفها مدن و جماعات الإقليم لكن من كانوا يدبرون حينها أمر هذا الإقليم على مستوى العمالة أو الدائرة أو الباشوية أو القيادة لم يكونوا معنيين بمعاناة الساكنة و لا بظروف عيشهم ما داموا محصنين ماديا و إداريا فما كان يهمهم في ذلك الوقت هو مقولة ” الله يخرج سربيسنا على خير ” حتى و إن دبجوا تقاريرهم بكلمات العام زين و هم يعلمون علم اليقين أنهم بعملهم هذا إنما يوقعون شهادة وفاة إقليم من أقصاه إلى أقصاه .
في انتظار أن تفي الحكومة بإلتزاماتها
اليوم أصبح من الضروري على الحكومة بكافة مكوناتها وأطيافها السياسية الخروج من سلبيات الماضي الذي أوصلنا اليوم إلى هذا الواقع الذي دفع بأبناء إقليم جرادة إلى الخروج في إحتاججات سلمية من أجل بديل إقتصادي و إجتماعي حقيقي و التجاوب الحقيقي مع مطالب الساكنة بعيدا عن ظرفية الإحتجاج التي أرغمت رئيس الحكومة على الحضور إلى وجدة و كذا عدد من وزرائه إلى الجلوس على طاولة الحوار و النقاش مع كافة أبناء الإقليم دون استثناء و في مقدمتهم المحتجين وفق إستراتيجية شمولية بأولويات محددة مسبقا بعيدا عن العموميات التي تم تسويقها في أكثر من حوار جعل منسوب الثقة يتضاءل يوما بعد آخر و أدخل إقليم جرادة في انتظارية قاتلة في انتظار الذي يأتي و لا يأتي و يرى عدد من المتتبعين ممن رصدت الجريدة آرائهم في سياق مواكبتها و تفاعلها مع ما تعيشه مدن و جماعات الإقليم أن القطاع الفلاحي و دعم الكساب سيكون مدخلا مهما لإعطاء إقلاع اقتصادي حقيقي من خلال خلق مدارات سقوية جديدة و على مساحات مهمة و فتح الإستفادة من مخطط المغرب الأخضر أمام من يريد الإنخراط في هذا البرنامج مع تبسيط المساطر الإدارية و إستثمار عامل الوقت في هذا الأمر مع ضرورة وضع حد للمشاكل التي يعرفها مشكل الاراضي السلالية.
على سبيل الختم
لا يمكننا ربح رهان التنمية في غياب مقاربة تشاركية بين مكونات المجتمع و في إطار من الشفافية و الوضوح وتكافئ الفرص بين الجميع بعيدا عن أية ممارسات أو إسقاطات فردانية قد تضرب هذا المبدأ الدستوري و على الحكومة أن تبادر بالتنزيل السريع لما طرحته من مشاريع و على رأسها تأهيل القطاع الفلاحي و المراعي الذي يستهدف غالبية الساكنة من أبناء الإقليم وفق تواريخ محددة و آليات متفق عليها مسبقا ، فساكنة الإقليم لا تطالب سوى بحقها في تنمية ظلت مغيبة لسنوات عديدة و ظل معها إقليم جرادة بخيراته و موارده الطبيعية في أيد أباطرة اغتنوا من عائداته المنجمية و من أراضيه السلالية أمام صمت و مباركة الجميع و النتيجة واضحة وساطعة أمام الجميع لا ينكرها إلى مزور للواقع و التاريخ معا .
لقد حان الوقت لأن تفكر الحكومة في وضع خطة تنموية شاملة و سريعة لهذه الجماعات و إنصاف ساكنتها بعيدا عن أية مبررات يمكن تسويقها لتبرير عجزها و تقاعسها في إعطاء أبناء إقليم جرادة حقهم في تنمية حقيقية وفي العيش الكريم و على الوزارة الوصية على القطاع الفلاحي التجواب السريع مع مطالب شباب هذه الجماعات بضرورة إحداث محيطات سقوية كفيلة لامتصاص الاعداد المتزايدة من العاطلين و دعم مشاريعهم الفلاحية و فتح باب الاستفادة من صندوق التنمية القروية و مخطط المغرب الأخضر فلا يعقل أن يبقى مصير هذه الجماعات مؤجلا إلى ما لا نهاية و جماعات أخرى تستفيد من تمويلات مضاعفة و تغرق في مشاريع تنموية حد التخمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!