التفاتة إنسانية غايتها إدخال الدفء على “المتشردين” بمدينة وجدة

سميرة البوشاوني

موجة برد قاسية تجتاح مدينة وجدة كما باقي مدن وقرى المملكة، وفي الوقت الذي يأوي إليه المواطنات والمواطنين إلى فراشهم داخل منازل بجدران وأسقف تقيهم شر القر، يتنقل آخرون (رجال، نساء وأطفال) هنا وهناك بحثا عن مكان يقضون فيه ليلتهم الحالكة، محطة، مدخل عمارة أو قيسارية، شارع أو زقاق… يفترشون الكارتون ويلتحفون البلاستيك طلبا لدفء يساعد الجفون على ملامسة بعضها قبل بزوغ ضوء النهار.

التفاتة إنسانية

في غياب تام لأي تدخل من قبل مسؤولي المدينة تجاه مواطنين مغاربة، أصبحوا لسبب أو لآخر، بدون مأوى سكناهم الشارع أكلهم من القمامة ومن بقايا طعام تلفظه المطاعم، بادرت فعاليات جمعوية تختلف مبادئها وأهدافها ويوحدها التضامن والإنسانية وشعارات عنوانها “الدفء”، في التفاتة إنسانية الغرض منها زرع قيم التضامن والتكافل ونشر ثقافة العطاء والإحسان للغير، وهدفها الأساسي توجيه الأنظار إلى فئة مجتمعية بحاجة إلى إعادة الإدماج.

أزيد من 11 جمعية مدنية ومجموعة “فايسبوكية” قامت بالتنسيق فيما بينها للتخفيف على الأشخاص بدون مأوى، عبر تزويدهم بوجبات غذائية وأغطية وألبسة شتوية (جاكيت، كنزات صوفية، طاقيات وجوارب…) وتمكينهم من إسعافات ومساعدات طبية، معتمدة في ذلك على مساهمات الأعضاء وعلى بعض المحسنين الذين تجاوبوا مع الحملات التي أطلقتها الجمعيات عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

التحام جمعوي

أفضل عائلة، أفضل إخوة، مبادرة فاعل خير، مغاربة متضامنون بلا حدود، الجيل الذهبي، صناع الأمل، بصمة شباب الخير، الصداقة المغربية للتنمية البشرية، فرسان الأمل، رواد المستقبل وشباب متفائل، جمعيات ومجموعات التحمت في حملة خيرية شتوية لمساعدة الأشخاص بدون مأوى تروم المساهمة في الحد من انعكاسات موجة البرد القارس على السلامة الصحية والجسدية لهؤلاء الأشخاص، وخصوصا الأطفال والمسنين الذين يعانون من الأمراض المزمنة.

وفي هذا الإطار، ذكر منير حموتي رئيس جمعية “الصداقة المغربية للتنمية البشرية” بوجدة، وهي جمعية تأسست سنة 2011 وتشتغل في المجال الخيري، بأن أعضاء الجمعية تجندوا إلى جانب باقي الجمعيات المشاركة في هذه الحملة الإنسانية والتضامنية، من أجل إدخال الدفء على الأشخاص بدون مأوى الذين يعانون من الهشاشة طيلة فصل الشتاء، مبرزا في تصريح لـجريدة ” أنوار بريس” بأنهم يقومون بجولات ليلية لتحديد أماكن تواجد هذه الفئة من المواطنين لتسهيل أعمالهم الخيرية، مشيرا إلى أن غالبيتهم يتخذون من المحطة الطرقية والسوق المغطى وسوق الحمام قرب سوق مليلية… مكانا لقضاء لياليهم، أما النساء فذكر بأنهن يجدن في أماكن قريبة من ولاية أمن وجدة ملاذا لهن خوفا من التعرض للاعتداء ليلا، هذا زيادة على أشخاص آخرين ينتشرون منفردين في أماكن أخرى من المدينة…

أما أمينة مباصو عضو مجموعة “فرسان الأمل وجدة”، وهي مجموعة التقى أعضاؤها في إطار العمل الجمعوي ضمن جمعية أو جمعيات مدنية واختاروا تشكيل مجموعة شعارها “فعل الخير”، فذكرت في تصريح للجريدة بأن همهم الوحيد هو مساعدة  كل من هو في حاجة، مبرزة بأن فكرة الالتفاتة الليلة جاءت بهدف إنساني تجاه الأشخاص من دون مأوى كمحاولة لتخفيف بعض معاناتهم، حيث تجند عدد من الجمعيات لتوزيع وجبات عشاء وملابس شتوية وأغطية على هذه الفئة من المجتمع، والتي هي في أمس الحاجة للمساعدة خصوصاً في فصل الشتاء.

تدخلات طبية

ذكر منصف الحولي رئيس جمعية “أفضل عائلة”، وهي جمعية خيرية تضم 60 عضوا يشتغلون في إطار برنامج محاربة الهشاشة، في تصريح لـ”أنوار بريس” بأنهم يقومون إلى جانب تزويد الأشخاص بدون مأوى بأغطية ووجبات ساخنة مختلفة طيلة أيام الأسبوع، بتقديم مساعدات طبية لبعضهم، مشيرا إلى أنهم غالبا ما تصادفهم حالات بحاجة لتدخلات طبية وإسعافات إما تقدم لهم في عين المكان، أو يتم نقلهم إلى مستشفى الفارابي أو مستشفى الأمراض العقلية حسب نوع الحالة، متى استدعت الضرورة ذلك.

وأضاف المتحدث بأن بعض الأشخاص بدون مأوى يعانون من أمراض مزمنة تزداد حدتها مع برودة الجو ونقص وسوء التغذية، وهو الأمر الذي تسبب السنة الماضية في هلاك 3 أشخاص بشوارع مدينة وجدة، فيما عرفت بداية فصل الشتاء الحالية، وفاة واحدة بسبب الإهمال والأمراض المزمنة الناجمة عن الوضعية الصعبة التي تعيشها هذه الفئة…

تجاوب المحسنين

تجاوب عدد من المحسنات والمحسنين مع النداءات التي أطلقتها الجمعيات والمجموعات المشاركة في “حملة الدفء”، على صفحاتها بموقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” من أجل جمع التبرعات والمساعدات للتخفيف على الأشخاص بدون مأوى وتحسيسهم بكونهم محط اهتمام المجتمع المدني.

وذكر رئيس “أفضل عائلة” بأن هناك محسنين يتبرعون إما بمبالغ مالية أو بوجبات عشاء تضم إلى جانب وجبة ساخنة، خبز، فاكهة، ياغورت وقنينة ماء، يتكلف أعضاء الجمعيات بتوزيعها، مبرزا بأنهم يوزعون ما بين 30 و80 وجبة كل ليلة، ويمكن أن يزيد هذا الرقم أو ينقص حسب المحسنين الذين يدعمون الحملة ماديا، وعندما لا يكون دعم يساهم الأعضاء فيما بينهم أو تأخذ مصاريف الليلة من صندوق الجمعية.

ودعا منصف المحسنين إلى الخروج معهم في جولاتهم الليلية للوقوف على الظروف المأساوية التي يعيشها من لا مأوى لهم، مطالبا بدعم التفاتتهم الإنسانية والمساهمة في إدماج هؤلاء الأشخاص.

وفي نفس السياق، ذكرت أمينة مباصو عضو “فرسان الأمل”، بأنهم يعتمدون في حملتهم على المحسنين وإن لم يساعدهم أحد يتكلفون فيما بينهم “كل واحد بللي يقدر عليه”، مشيرة إلى أنهم يتخذون في الغالب من منزل عائلتها مكانا لتحضير الوجبات الساخنة، ويتكلف شباب المجموعة بتوزيعها وأضافت قائلة: “هذه مساعدة مؤقتة فقط لهذه الفئة، ونطمح إلى إيجاد حلول ناجعة ودائمة بحول الله”.

إعادة الإدماج

أبرز منصف الحولي، بأنهم يسعوا من خلال “حملة الدفء” إلى التحسيس بفئة تعاني قساوة العيش في الشارع، مؤكدا على أن هؤلاء الأشخاص بحاجة إلى التفاتة حقيقية لأن الالتفاتة الإنسانية التي يقومون بها الآن ليست كافية “هي فقط إشارة من المجتمع المدني للمؤسسات الاجتماعية وللمسؤولين على أن هناك فئة ومواطنين لديهم الحق في الحياة والحق في إعادة الإدماج”.

وأضاف رئيس “أفضل عائلة”، بأنهم سيعملون في نهاية “حملة الدفء” على تأسيس تنسيقية وتنظيم ندوة تخص هؤلاء الأشخاص، وذلك بغية الخروج ببرنامج عمل يهدف إلى إعادة إدماجهم في المجتمع “لأنهم ليسوا بحاجة للمأوى والمأكل فقط، بل بحاجة لإعادة الإدماج بعدما أصبحوا يحسون بأنفسهم خارج المجتمع وأنهم لا ينتمون لهذا المجتمع، وبالتالي تربى لديهم حقد على هذا المجتمع”.

ومن جهتها أبرزت أمينة مباصو بأن المساعدات التي يقدمها المجتمع المدني للأشخاص بدون مأوى مؤقتة ومحدودة وبالتالي لا تفي بالغرض المطلوب، مؤكدة على ضرورة تدخل الدولة من خلال توفير مراكز إيواء تقي هؤلاء الأشخاص برد الشتاء، وتوفر لهم الأمان خصوصا بالنسبة للنساء والأطفال الذين يتعرضون بشكل دائم للاعتداءات، موجهة نداءا إلى المجتمع المدني قصد توحيد المواقف والتدخل من أجل إيجاد حلول ناجعة توفر العيش الكريم لهذه الفئة…

 

error: Content is protected !!