قراءة في مشروع مرسوم قانون رقم 2.20.292  المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية  و إجراءات الإعلان عنها

 

غسان باحو أمرسال

تعتبر سلطة التشريع من أهم الاختصاصات الموكولة للبرلمان بمقتضى الفصل 70 من الدستور ، غير أنه و بمقتضى المادة 81 من الدستور فإن للحكومة خلال الفترة الفاصلة بين الدورات و باتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين، أن تصدر مراسيم قوانين يتم عرضها لاحقا على البرلمان للمصادقة عليها خلال دورته العادية الموالية . وفي هذا السياق جاء مشروع المرسوم المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية و إجراءات الإعلان عنها في ظرفية فرضتها الضرورة و حالة الاستعجال و الظروف الاستثنائية بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد و الذي تحول إلى جائحة عالمية تهدد أول حق من حقوق الإنسان الذي هو الحق في الحياة الذي يحميه القانون كما نص على ذلك الفصل 20 من الدستور و ورد بالمادة 3من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الفقرة الأولى من المادة 6 للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و الذي اعتبر بأن : ” الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان . و على القانون أن يحمي هذا الحق ، و لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا”.
و لأن وباء فيروس كرونا المستجد هو خطير وعالمي يهدد البشرية جمعاء و المواطن المغربي كواحد من أفرادها ، و لكونه وباء معدي ينتقل بشكل سريع و خفي بمجرد اللمس و الاختلاط مع مصابين في الوقت الذي لازالت فيه المختبرات العالمية تلاحق الزمن من أجل إيجاد دواء يحد من أضراره أو لقاح يقي من الإصابة ، فإنه يجعل من كل مصاب خطرا على المحيطين به و المخالطين له و على التوالي، تشكيل هؤلاء في حالة إصابتهم خطرا على المئات بل الآلاف من الناس . الشيء الذي جعل من الحجر الصحي و منع المخالطة وسيلة لمنع انتشاره حماية للحق في الحياة و الحق في الصحة و الحق في بيئة سلمية لجميع المواطنين . خصوصا أمام ما أبانه عنه هذا الفيروس من شراسة و فتك في كبرايات الدول ذات المنظومات الصحية الجد متقدمة و التي عجزت عن محاصرته رغم إمكانياتها في مجال لصحة .
إن التكلفة الاقتصادية و الاجتماعية لهذا الفيروس هي جد مكلفة، بسبب التداعيات التي تسببها الحرب عليه و التي من شأنها وقف اقتصاديات مناطق بأكملها . لذلك كان من الحكمة اتخاذ تدابير حازمة تمثلت في إغلاق الحدود و حرمان الأشخاص من حرية التنقل و السفر لأن الحق في الحياة يعتبر أولى من كل هذه الحقوق . وهو ما يجعل البلدان في ظروف استثنائية و تقتضي الضرورة و حالة الاستعجال إلى التدخل من أجل سن قوانين و تدابير من شأنها حصر مد هذا الفيروس خصوصا أمام عدم انضباط العديدين لكل النصائح و التوجيهات الموجهة لهم بالبقاء في المنازل و تجنب المخالطة و استهتارهم بها ، بل وصل بالبعض إلى استغلال سذاجة العديد من المواطنين و الخروج بهم رغم الحظر في مظاهرات لا مبرر لها و تحريضهم على كسر الحظر الصحي بما يجعل حياتهم وصحتهم و حياة و صحة شعب بأكمله مهددة ، كما لون أن الأمر هو دعوة للانتحار الجماعي أو للإبادة الجماعية تكاد لا تختلف عن الأعمال الإرهابية التي تمس المجتمع في استقراره و تخلق حالة من الذعر و الفزع و تؤدي إلى الإضرار بحياة أفراد آخرين لا ذنب لهم في تحمل حماقات وجهالة البعض من عديمي الضمير.
لقد جاء مشروع مرسوم القانون رقم 2.20.292 بمجموعة من التدابير تتعلق بإجراءات الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية و كذا الأحكام الخاصة بها .

ـ بخصوص إجراءات الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية :

فحالة الطوارئ الصحية هي مجموع الإجراءات المعلن عنها من قبل السلطة التنفيذية بواسطة مرسوم كلما كانت حياة الأشخاص و سلامتهم مهددة من جراء انتشار أمراض معدية أو وبائية اقتضت الضرورة اتخاذ تدابير استعجاليه لحمايتهم من هذه الأمراض و الحد من انتشارها تفاديا للأخطار التي يمكن أن تنتج عنها و التي يمكن أن تتعلقة بجهة أو عمالة أو إقليم أو جماعة أو أكثر ، أو حتى بمجموع التراب الوطني عند الاقتضاء . بحيث يتم الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية متى اقتضت الضرورة بموجب مرسوم يتخذ باقتراح مشترك للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالداخلية و الصحة و الذي يحدد النطاق الترابي لتطبيقها و مدتها و الإجراءات الواجب اتخاذها.
و بالتالي فإن هذا المرسوم يسمح للحكومة خلال فترة حالة الطوارئ الصحية باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة سواء بواسطة مراسيم أو مقررات تنظيمية و إدارية أو بواسطة مناشير و بلاغات بهدف التدخل الفوري و العاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض و تعبئة جميع الوسائل المتاحة لحياة الأشخاص و ضمان سلامتهم. مما يفهم منه بأنه لا يمكن التعلل أو التذرع بممارسة حق ما أو تنفيذ مقتضي قانوني ما يستفيذ منه المواطن في الظروف العادية ما دام أن الأمر يتعلق بظروف استثنائية تجعل من كل تلك القرارات الصادرة أيا كان نوعها أورتبتها في السلم القانوني ذات طابع إلزامي . الشيء الذي يعطي للحكومة الحق في تعطيل مجموع من الحقوق التي من الممكن الاستفادة منها في الظروف العادية وذلك لأن المصلحة المحمية بموجب هذا القانون تقتضي ذلك . إذ لا يجوز التعلل مثلا بالقول بأن أسمى قانون في الدولة الذي هو الدستور في الفقرة الأخيرة من الفصل 24 يضمن التنقل عبر التراب الوطني و الاستقرار فيه و الخروج منه و العودة إليه مضمونة للجميع وفق القانون . لأن من شأن ممارسة هذه الحرية المساس و انتهاك حق أسمى و الذي اعتبره الدستور أول الحقوق هو الحق في الحياة . فمتى كان من شأن التنقل أن يمس بحق الاخرين في الحياة فإن مرسوم حالة الطوارئ يتدخل للحد منها وذلك درءا لخطر أكبر و تهديد أعظم و لكون الدستور اشترط بموافقة تلك الحقوق للقانون والذي هو في هذه الحالة الاستثنائية يتمثل في قانون الطوارئ الصحية.و هو ما يمكن القياس عليه بخصوص باقي الحقوق التي من شأن ممارسة الفرد لها تهديد حياة الأخرين مثل الحق في التجمع أو التظاهر. و بالتالي فإن هذا المرسوم يفرض على كل شخص يوجد في منطقة من المناطق التي أعلنت فيها حالة الطوارئ الصحية التقيد بالأوامر و القرارات الصادرة عن السلطات العمومية المشار إليها.
و بالمقابل فإن التدابير المتخذة لا تحول دون ضمان استمرار المرافق العمومية الجهوية و تأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين.

ـ العقوبات :

لقد اعتبر المرسوم بأن مخالفة التقيد بالأوامر و القرارات الصادرة عن السلطات العمومية جريمة يعاقب عليها القانون و التي يمكن أن تعتبر جنحة بالنظر للعقوبة التي سطرها لها و المتمثلة في الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر و بغرامة تتراوح بين 300 و 1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبيتين دون الإخلال بالعقوبات الجنائية الأشد ، وهو ما يحاول السير على نهجه المشرع الفرنسي بالإنتقال من خرق حالة الطوارئ الصحية حسب القانون الفرنسي من مخالفة من الدرجة الرابعة معاقب عليها بالغرامة فقط إلى جنحة تصل العقوبة فيها إلى الحبس، وذلك لما لمخالفة عدم احترام الحظر الصحي من عواقب وخيمة لا يمكن التغاضي عنها أو التساهل معها . حيث قام البرلمان الفرنسي لية السبت 21 مارس 2020 بالتصويت على تعديل قانون الطوارئ الصحي الذي شدد العقوبات على من لا يحترمون الحجر الصحي ب غرامة قدرها 135 أورو اذا تم خرق قواعد الحجر و فيحالة العود داخل 15 يوما غرامة قدرها 1500 أورو و في حالة الخرق لأربع مرات خلال ثلاثين يوما ف العقوبة تكون هي غرامة 700 أرو و ستة أشهر من الحبس كحد أقصى .
كما عاقب مشروع مرسوم قانون حالة الطوارئ الصحية على كل عرقلة تنفيذ قرارات السلطات العمومية المتخذة طبقا لهذا المرسوم و التي تتم عن طريق العنف أو التهديد أو التدليس أو الإكراه و أيضا كل من حرض الغير على مخالفة القرارات المذكورة بواسطة الخطب أو الصياح أ, التهديدات المتفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية ، أو بواسطة المكتوبات أو المطبوعات أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية أو الإلكترونية ، أو أي وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة إلكترونية . وبذلك يكون المشرع قد عقاب على كل من مخالفة أحكام حالة الطوارئ المتعلقة بما بصدر عن الإدارة من أوامر و قرارات كما عاقب عن كل أشكال العرقلة الممكنة و حتى تلك التي تستعمل فيها وسائل التواصل الاجتماعي . و جعل العقوبة واحدة بالنسبة لكل هذه الفئات ، و إن كنا نرى أنه كان من اللازم تشديد العقوبة على المحرضين و خصوصا من يخرجون بالجمهور إلى الشوارع و ذلك بسبب خطورة الأفعال المتمثلة في تعريض صحة عدد كبير من الأفراد للخطر و إلى الرفع من انتشار الوباء.
ـ صلاحيات حكومية ذات اقتصادي أو مالي أو اجتماعي أو بيئي و إيقاف بعض الأجال القانونية :
كما منح مشروع المرسوم هذا للحكومة كافة الصلاحيات و بصفة استثنائية لاتخاذ إجراءات ذات طابع اقتصادي أو مالي أو اجتماعي أو بيئي يكتسي طابع الاستعجال ، و الذي من شأنه الإسهام بكيفية مباشرة في مواجهة الآثار السلبية على إعلان حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها .
ومن جانب أخر، و بسبب تعثر قيام المواطنين بمجموعة من الإجراءات و المرتبطة بآجال معينة منصوص عليها في النصوص التشريعية و التنظيمية فسوف يتم إيقاف جميع الآجال خلال فترة حالة الطوارئ حيث يستأنف احتسابها ابتداء من اليوم الموالي ليوم رفع حالة الطوارئ ، باستثناء آجال الطعن بالاستئناف الخاصة بقضايا الأشخاص المتابعين في حالة اعتقال و كذا مدد الوضع تحت الحراسة النظرية و الاعتقال الاحتياطي وذلك في إطار ضمان الحق في المحاكمة العادلة و احترام مبدأ قرينة البراءة ، و لكون المحاكم لم تتوقف عن النظر في قضايا الأشخاص المتابعين في حالة اعتقال .

error: Content is protected !!