عن واقعة الخرجات الليلية: الدكتور حميد تباتو يكتب عن “فقهاء الظلام، جنون الهوية وتجييش القطيع”

  • د. حميد تباتو (×)

      يصر فقهاء الظلام على مسعاهم البئيس لمصادرة الوطن، وتأميم الإيمان باسمهم، باستثمار فئة اجتماعية هشة من حيث وضعها المادي، ومستواها التعليمي، ووعيها ، واستغلال مآسي الناس و المجتمع لفرض حضورهم في الوجود العام، إنه ما ترجمته وقائع عديدة آخرها دفع فئات من المجتمع للخروج، بعد منتصف ليلة السبت 21 مارس 2020، لتأكيد وجودهم ضدا على تعاقدات الانتساب للوطن والقارة الإنسانية التي تفرض الحرص على حماية الذات بقدر حماية الآخر، والمساهمة قدر المستطاع بما يفيد تجاوز منعطفات الوجود المأساوية كما الأمر بالنسبة لمحنة المواطنين والإنسانية مع الوباء الذي يردم حياة الإنسان في كل البلدان بلا رحمة.

     شكل سلوك ليلة السبت أحد أوجه الممارسات الهمجية لفقهاء الظلام الذين جيشوا بصيغهم المألوفة عددا من المواطنين، ودفعوا بهم للخروج ليس للاحتجاج على شيء ما أو جهة ما، بل لتأكيد وجودهم، وفرض حضورهم الرمزي بشكل كريه في شوارع وأزقة بعض المدن، والأهم بنظرهم في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي للتعويض عن غيابهم القسري، بسبب حالة الطوارئ الصحية، عن الفضاءات التي تسمح لهم بشحن الناس، وأدلجتهم لخدمة ما يؤمنون به من مشاريع نكوصية،.سلوك الجهة التي برمجت خروج الناس ليلة السبت بطريقة الغوغاء هو قرين سلوكات أخرى عديدة وقعت باسمها دوما كان لها الدور الكبير في فرملة الوعي الإبجابي بوطننا وبالكثير من الأوطان.

     والجهة المذكورة هي التي تقف وراء الكثير من الأهوال التي ميزت تاريخنا، ووراء تكريس ما هو مظلم فيه سواء تعلق الأمر بأنماط الدول التي حكمته، أو طبيعة الذهنيات التي تسيدت فيه، أو نماذج الأنساق الرمزية والثقافية التي هيمنت فيه تعبر الذهنية التي تقف وراء تجييش الناس للخروج في وقف يحتاج فيه الوطن والإنسانية جمعاء للتآزر، والتعاون وتنسيب الاختلافات كيفما كانت طبيعتها، وتقديم ما يساهم بتدبير زمن المحنة الذي نجتازه جميعا.

     عنف ذهنية فقهاء الظلام، وفهمهم المجنون للهوية…الفهم الذي كرس نفسه الحارس الوحيد للإيمان، والمسؤول المثالي عن ما يصلح وما لا يصلح لقياس درجة الإيمان لدى المؤمنين …وهذا بالضبط ما سير مخالفة تأويل حراس الإيمان من سلالة ذهنية التحريم للاعتقاد، و السلوك، والحياة، والعلاقات الاجتماعية الخ بمثابة الخطيئة الأكبر التي لا يطهرها إلا الدم والقتل، وما يروي عطش هؤلاء لنفي الحياة.

     لقد عانى أفراد كثر وجماعات وبلدان من تسلطهم طيلة التاريخ، بما في ذلك علماء الدين أنفسهم، والمجتهدون في الفقه، ومناصرو التنوير والعقلانية في الفكر والإبداع، والعاشقون للحياة، لقد جعلوا من تصورهم منطقا مقدسا يفرض بالقهر والتقتيل، “سرقوا الجامع وأسروا الإسلام” باسمه كما قال المفكر الراحل الصادق النيهوم، وفرضوا بناء عليه “إسلامهم ضد الإسلام ” كما يقول نفس المفكر. لقد جعلوا من موقفهم وسلوكهم بابا مفتوحا على جهنم لمن لم يقبل به، وهو المنطق الذي ردم حياة ناس كثر، وخرب العديد من الأوطان كما يؤكد ذلك التاريخ الراهن، وخروج جماعات من الناس ليلة السبت يؤكد مصادرة هذا المنطق لصوت الناس ، وللباحثين عن أمن صحي ونفسي للوطن والمواطنين.

     أعداد المواطنين ممن خرجوا، بصيغة مسيرات جماعية، في عز محنة الوطن والإنسانية، وبحث الشرفاء في العالم عن ما يمكن من تجاوزها هو نتاج استسهال فقهاء الظلام للفتوى، سواء تم إعلانها أو التلميح إليها، واعتبار التابعين لهم، أو المستعدين لقبول ما يأمرون به قطيعا لا بد من تطويعه بكل الصيغ، وإعداده لليوم الموعود ، والمقصود به تنفيذ أمر فقيه الظلام لخلط أوراق ما، أو نفي حياة ما، أو إرباك وجود ما، أو تفجير تعايش ما، أو تبديد صفاء حاضر ما، أو تغريب مستقبل ما

     خروج جند فقهاء الظلام ليلة السبت هو شكل آخر لجنون الهوية هذا الذي صار أسهل تبرير لتغطية تخلف النظرة للذات، والهوية، والعلاقة مع الآخر، لقد صارت الهوية اختلافا متوحشا بتعبير الخطيبي، ليس لأنها كذلك في أصلها، بل لأننا ضيعنا النظرة الموضوعية لها في تضييعنا لواقعنا و للمعنى الإيجابي لتاريخنا، ولما يسمح ببناء مستقبل لنا بشكل بهي انطلاقا من نقض السيرورات التي أفضت إلى تبئيس وعينا، ورؤانا، و سلوكنا، ومنظوراتنا العامة والخاصة، ومشاريع مجتمعاتنا في الحاضر و المستقبل، ولأننا لم نُعْنَ بالتحرر مما يربطنا بالجنون والتخلف واللاعقلانية بجعل التحرر كما قال عبد الكبير الخطيبي نفسه، “مهمة لانهائية.

     و انطلاقا من النظر إلى الهوية بشكل يبعد نظرتنا إليها عما أسماه “الاختلاف الوحشي” و”ضلال الهويات المجنونة” الذي يعتقد فيه فقيه الظلام وجهلة الدين، وحراس الإيمان غير الأمناء يفعلون ما يشاؤون بقطيعهم، ويخرجون ليلا بعد أن لم يسمح لهم النهار بذلك لمضاعفة أوجاع الناس و المواطنين الذين تلزمهم أمراض جسدية، أو بؤس الأيام ، أو قلق الانمحاء الجماعي من الوجود في هذا المنعطف الإنساني الرهيب، خروج قطيع فقهاء الظلام ليلة السبت ممارسة إضافية تؤكد طبيعتهم المنتصرة لما هو متخلف، وعبثي، ومضر بالوطن وأهله الصادقين سواء في سياق محنة الوباء أو خارجه، لقد ضاعفتم بجهلكم، وسلوككم جراحنا، وهشاشة وضعنا الصحي لا شافاكم الله.

(×) باحث جامعي وناقد سينمائي
error: