… توجه خاطئ

ما يقع اليوم من هندسة للحقل السياسي والحزبي غير جيد بالمرة. فيه كثير من المجازفة وكثير من عدم دقة التقدير في آنيا وفي المديين القريب والمتوسط أقله.

د.سعيد جعفر*

الذي يهندس توجهات مرحلة 2021-2026 لا يبدو أنه يتحرك من خلفية موضوعية ويبدو أنه محكوم بهاجس ذاتي أو سياسي أو أمني معين، ومثلما ما حدث في 2002 و2007 وما تلاها من أخطاء سياسية قاتلة أدى المغرب ثمنها سياسيا وعلى مستوى إيقاع التحديث والدمقرطة، فإن ما يقع مؤشر على أن نفس الجهة تعود من جديد لنفس تقديراتها غير الدقيقة قياسا بالتحديات الخارجية خصوصا، والداخلية نسبيا.

في 2007 سيقدم الاتحاد تشريحا لأزمته وأزمة المجتمع اشرف عليها الدكتور محمد جسوس، وفي 2009 وبناء على خلاصاتها وما تجمع آنذاك للاتحاد من معطيات وخطط دولية، سيقدم للنظر الملكي السديد مذكرة اصلاحات سياسية ودستورية.

في منتصف 2007 سيؤسس السيد فؤاد عالي الهمة ناديا تأمليا بمسمى “حركة لكل الديمقراطيين” وفي انتخابات نفس السنة سيقدم استقالته للملك من موقعه كوزير منتذب في الداخلية وسيترشح في مسقط رأسه بنكرير وفي نفس اليوم سيدافع في برنامج خاص على دوزيم عن مشروع “تمغربيت”، ليتأسس البام كجواب متأخر عما بدأت بوادره في 2009.

بين 2011 و2016 عاشت المملكة فاتورة تأخرها في فهم وربما استسهال تحديات والآثار المستقبلية للمعطيات الدولية والداخلية للفترة التي تلت سنة 2007 وتعمقت في 2009 ليبدأ في تنفيذها دوليا أواخر 2010 ومطلع 2011، لقد ظهر أن جهة ما رأت انه لا مصلحة للمملكة في تعديلات سياسية ودستورية بدعوى عدم المس ب”القعيدة” بتعبير سي محمد الطوزي.
نبهت أشغال الاتحاد بمسؤولية وروح وطنية طيلة سنتين بين 2007 و2009 إلى حالة التأزم السياسي والاجتماعي داخليا وإلى امكانيات التغذية الخارجية للوضع في الداخل، قبل ان يتم تدبيج كل هذه التشخيصات والمخاوف في مذكرة للاصلاح السياسي والدستوري سيقدمها الحزب في 2009 طرحت على النظر الملكي السديد مقترحات توسيع صلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية المعبرتين عن الإرادة الشعبية، و استقلال القضاء والدولة الاجتماعية (صيغة معدلة للمفهوم التقليدي التوزيع العادل للثروة).

رأت جهة ما أن هذه المطالب تعني تقليص صلاحيات جلالة الملك وأنها قدمت بشكل منفرد ولا تحظى بأي إجماع شعبي، وكتب نوع من الإعلام على أن ضغط من الاتحاد بسبب ضعفه الانتخابي ومنهم من كتب أنها ضغط من نواة صغيرة في الحزب لنفس الغرض.

ونتيجة لذلك ستغرق الدولة في مواجهة سياسية حزبية سيرد عليها وكلاء سياسيون آخرون بالتعريض المباشر بشخصيات من مربع الدولة عندما سترفع صورهم ويندد بهم في مسيرات احتجاجية وطنية وسط تقاطب حاد في المجتمع والمجتمع السياسي.

ورغم أنه كان هناك ابداع! في الجواب الوطني وتقنياته لتفادي آثار أوسع للخطاطة الدولية (تأسيس حزب الدولة البام، تاسيس قاعدة فكرية خلفية داعمة، خطاب 9 مارس، استفتاء 1 يوليوز، العسر الدستوري ل2016..)، ورغم ما قوبل به من ترحيب دولي وداخلي فإنه رتب ردود فعل صامتة وحذرة تجاه ما تم القيام به.

ما يقع اليوم من هندسة للحقل السياسي والحزبي غير جيد بالمرة. فيه كثير من المجازفة وكثير من عدم دقة التقدير في آنيا وفي المديين القريب والمتوسط أقله.
يجري اليوم هدم الثقة في البلاد و ما نطمئن على انه إسمنت للإجماع الوطني أعطينا اسباب لتفتيته وأعطينا ما يكفي من الأسباب لتبديد رأسمال الثقة داخليا وخارجيا.
الرباط وكلميم وأكادير وطنجة ليست مجرد مدن في جغرافية معزولة.
الرباط عاصمة إدارية ومركز سياسي وجزء من ساكنتها هي الطبقة السياسية والإدارية التي تسير البلاد، وسيكون من غير المقبول سياسيا ان تكون موضوع تجاذب حزبي وسياسي.

اكادير هي عاصمة الصحراء الجديدة كما جاء في الخطاب الملكي وسيكون من الجيد أن يكون تدبيرها امتدادا للتدبير الحكومي لكن باية تفاصيل وبأية مكونات؟ هذا سؤال سيجد أجوبته مستقبلا.

كلميم واد نون هل كان يجب أن تصل الى القتل/ الموت الرمزي والمادي حتى تكتمل اشغال تشكيل فريقها المسير بقفز اعتباطي على المعطيات الداخلية الثقافية والحضارية والقبلية.
لا يمكن تفسير ذلك إلا بهذه المركزة المفرطة التي ابتدأت من مكان قصي من الرباط العاصمة وانتهى بمأساة سياسية وديمقراطية بكلميم وقبائل آيت باعمران.

ما حدث ويحدث وسيحدث في طنجة يضعف معركة المواجهة مع اسبانيا الجار الخصم ومع رهانات بناء شمال مغربي قوي في مواجهة جنوب اسباني قوي كذلك.

إن أكبر خطأ سياسي وقع بالتزامن مع نتائج 08 شتنبر هو أن نفس اليد التي دعمت صراحة الوافد الجديد كجواب وطني تجاه معطيات خارجية تضر بالمصالح العليا للوطن، تدعمه اليوم كبارشوك سياسي ضد اختيار شعبي فوض توجها سياسيا اجتماعيا ديمقراطيا تاشيرة تناوب جديد.

لقد كانت أولى مؤشراته هي بيان ثلاثي خاطئ سياسيا واستراتيجيا تلته كيفيات تنزيله على الأرض التي اتسمت بعنف لفظي ومادي غير مسبوق.
وعلى المستوى تشكيل الحكومي يظهر أن هذا التحكم والتغول يقود لمجهول سلبي!

*عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
*عضو اللجنة التوجيهية للمؤتمر العاشر وعضو لجنة البرنامج الانتخابي 2021 القطب الثقافي.
*رئيس مركز التحولات المجتمعية والقيم بالمغرب وحوض المتوسط

error: