محمد الأشعري وصهيل الخيل الجريحة!

يريد أن يعيد النقاش إلى نقطة الصفر، وكأن الاتحاد الاشتراكي، كفكر وكممارسة، توقف بعد « غسيل يدو عنه »

محمد رامي

بعد أن أعلن نهاية حزب الاتحاد الاشتراكي قبل عشر سنوات، أطل محمد الأشعري على حزب الاتحاد الاشتراكي من النافذة، لربما في محاولة منه لدغدغة مشاعر الاتحاديين والاتحاديات بصفته ليس كاتحادي سابق في حزب القوات الشعبية، بل رئيسا لمؤسسة خاصة يقول عنها أنها تعنى بالأبحاث والدراسات، داعيا مجموعة متدخلين منتقاة على المقاس، إلى ندوة وطنية للإجابة عن سؤال واحد ووحيد “أي مشروع لمستقبل الاتحاد الاشتراكي؟

وقبل الحديث عن الندوة، خلفياتها والمبتغى من ورائها، لا بد من التذكير، لعل الذكرى تنفع المؤمنين، بالفكر الاتحادي والمشروع الاتحادي، لأجل تفادي الانسياق وراء الوهم، لابد من العودة بعقارب الساعة  والتاريخ الاتحادي إلى الوراء، وبالضبط إلى أواخر سنة 2012.

فمباشرة بعد انتخاب المؤتمر التاسع للحزب الأستاذ إدريس لشكر كاتبا أول للحزب، وحتى قبل أن يباشر مهامه التي انتخبه الاتحاديون والاتحاديات بطريقة ديمقراطية وبشهادة الجميع من أجلها، صرح محمد الأشعري للمنابر الإعلامية حينها، بأنه « غسل يديه على الاتحاد الاشتراكي »، مضيفا قوله « الحزب انتهى ولم يعد موجودا، ولا يمكنني أخلاقيا وسياسيا الاستمرار فيه ».. ، يمكنكم الاطلاع على تصريحاته بالبحث عنها في محرك البحث غوغل .

بهذا التصريح تطهر محمد الأشعري من حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي في نظره مات، وكان ينتظر فقط غسله ودفنه. لكن، الأمر الغريب، أنه عاد بعد عشر سنوات ليحاول الرجوع من النافذة بإعلانه عن تنظيم ندوة تتدارس مستقبل الاتحاد الذي غسل عليه يديه..

أتوقف عند هذه النقطة، وأطرح تساؤلا مشروعا ، لماذا كل هذا الحقد، وافتعال المشاكل، والضربات الموجهة للكاتب الأول المنتخب حتى قبل مباشرته لمهامه على رأس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؟

لماذا لم ينتظرالسيد الأشعري حصيلة تسيير القيادة الجديدة، والحكم عليها في المؤتمر الموالي؟ لماذا لم يعد الأشعري إلى القواعد للاشتغال مع الجماهير الشعبية في الميدان للمساهمة في تطوير أداء الحزب محليا، إقليميا وجهويا والاستعداد للمحطات اللاحقة، كما قام بذلك مجموعة من المناضلين الذين تشبثوا بالحزب وناضلوا فيه من الداخل ولم يتركوه وحيدا في مواجهة لوبيات المال والتخابر مع المنافسين السياسيين ؟

لماذا غاب الأشعري عن الميدان؟ وانبعث من جديد محاولا الظهور بمظهر المنقذ من خلال ندوة لن تتجاوز مستوى نقاش يحاول التشويش أكثر منه البناء؟

لقد أطلق الكاتب الأول مبادرات وأرسل رسائل عديدة منها الواضحة وتلك المرموزة للمصالحة، وفتح نقاشا داخليا اتحاديا-  اتحاديا بعيدا عن الإملاءات الخارجية..

لكن كل ذلك لم يحرك شعور الأشعري، لماذا، لسبب بسيط، كونه كان ينتظر فقط الإعلان عن موعد صلاة الجنازة ليقرأ على الحزب الفاتحة..

واليوم، وبعد نجاح محطة الثامن من شتنبر، وبعد أن تبين أن رؤية الكاتب الأول للتدبير الانتخابي للحزب قد مكنته من، ليس الحفاظ على مرتبته، بل التقدم فيها، أرادوا التشويش على فرحة الاتحاديات والاتحاديين الذين انفتحوا أكثر على القوات الشعبية والالتصاق بهمومهم..، فكانت التدوينات والتصريحات التي لا تتجاوز قيمتها « الكليك » الواحد على لوحة الكتابة.

ولنعد إلى الأشعري، الذي يريد أن يعيد النقاش إلى نقطة الصفر، وكأن الاتحاد الاشتراكي، كفكر وكممارسة، توقف بعد « غسيل يدو عنه » ، شخصيا وأنا من تابع جميع مراحل الإعداد للمؤتمر الوطني الحادي عشر، يبدو أن السيد بعد أن تأكد من أن الاتحاد في عهد الكاتب الأول إدريس لشكر لم يمت، بل انبعث من جديد بتصور ومنهجية جديدة مكنته من البقاء كرقم صعب في المعادلة السياسية، يبدو أنه أراد التموقع والظهور بمظهر القائد المنقذ والركوب على النجاحات المحققة، خاصة وأن الحزب انصهر من جديد مع الشعب محليا، إقليميا وجهويا، ولم يعد يقبل بأن يبقى النقاش الاتحادي منحصرا في صالونات مغلقة وفي صفحات التواصل الاجتماعي، بل اختار أن يبقى وفيا للجماهير الشعبية .

لقد قالها ادريس لشكر أنه على مدى ستين عاما تعزز مسار الاتحاد من جيل لجيل، جيل الاستقلال إلى جيل المطالبة بالديمقراطية، وصولا إلى جيل الثورة الرقمية المتطلع لإبداع صيغ جديدة وتقليص الفوارق الاجتماعية وربط المسؤولية بالمحاسبة والحريات الفردية، مؤكدا أن مسيرة الاتحاد الطويلة عززت مناعته وصموده داخل عالم متحول في وقت انهارت فيه منظمات وأحزاب على الصعيد الإقليمي والدولي، ظل الاتحاد شامخا حاضنا.. ينسج سيرته الخاصة التي هي جزء من سيرة الوطن.

فمن الذي منع الأشعري أن يطرح فكرته ونقاشه من داخل أجهزة الاتحاد ؟ من الذي جعله يفر من حزب آواه واحتضنه ومكنه من وضع اعتباري مرموق؟

سؤال لن تجيب عنه ندوته المزمع تنظيمها، ولا أعتقد أن الاتحاديات والاتحاديين بحاجة لإجابته ولا إلى ندوته، لأن مسار عشر سنوات من النضال والحضور الميداني في جميع المحطات الحزبية والاستحقاقات تغني عن نقاش كهذا يحاول البعض من خلاله التموقع من جديد فقط والتشويش على مؤتمر أرادت له القيادة أن يكون عرسا ديمقراطيا، وأراد له هؤلاء وأولئك أن يكون ما يتمناه هواهم..  ولا شك أن الأشعري سيحاول إعلان موت الاتحاد من جديد، ولو أن المعمول به أن شهادة الوفاة لا تسلم إلا مرة واحدة فقط

error: