قراءة في خطاب إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي وحقيقة الانتقادات الموجهة إليه

محمد أنوار الشرقي

إطلاق الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لمبادرة الانفتاح والمصالحة خلطت الأوراق لدى البعض، فادريس لشكر سليل الحركة الاتحادية، والذي عاش مختلف محطاتها التاريخية، بنجاحاتها وإخفاقاتها ،  له من الخبرة والتجربة ما يكفي  لأن يواجه السهام الموجهة إليه من قبل من نصب نفسه وصيا على حزب القوات الشعبية عبر وسائل الإعلام، مختزلا ما يعيشه البيت الإتحادي في شخص واحد، والحال أن تراكمات الماضي حتى قبل أن ينتخب ادريس لشكر كاتبا أول للحزب بشكل ديمقراطي ، هي التي أوصلت الحزب إلى مرحلة كان لزاما على القيادة أن تتصرف بحكمة وبصيرة من أجل إعادة الوهج الإتحادي من جديد، وهو ما قام به لشكر بمبادرته الجريئة.

لندقق مليا  في خطاب الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي بمناسبة ستينية التأسيس، فأول ملاحظة يمكن تسجيلها أنه جاء في سياق جميع خطاباته السابقة، سواء تلك التي خص بها وسائل الإعلام الوطنية أو تلك التي صرح بها خلال زياراته رفقة أعضاء المكتب السياسي لقدماء الحزب، في إطار الدعوة للانخراط في احتفالات الذكرى ، وأيضا لمواكبة الزمن الاتحادي الجديد المبني على المصالحة وتغليب خطاب العقل والمصلحة العليا للوطن والحزب، على اعتبار أن الوطن بحاجة لحزب الاتحاد الاشتراكي كقوة حداثية فاعلة ومتفاعلة مع المجتمع.

لقد أكد الكاتب الأول لحزب شهداء القوات الشعبية، أن ” المصالحة، في النهاية، ليست غاية في حد ذاتها، بل الهدف منها، إلى جانب الانفتاح، التوجه نحو أفق جديد لتقوية الجبهة الوطنية التقدمية كسبا لرهانات المشروع الوطني الكبير في الإقلاع التنموي الشامل”.

منطوق الكلام هنا كباطنه، فإدريس لشكر وهو يطلق مبادرة الانفتاح والمصالحة، أعلن غير ما مرة  ، عبر وسائل الإعلام ، أنه لن يترشح لولاية ثالثة احتراما للقانون ، وبالتالي قطع الطريق على مجموعة من المشككين في صدقيته وفي سعيه الحثيث نحو لم شمل العائلة الاتحادية تحت سقف اليسار الاتحادي.

فادريس لشكر اعتبر أن التاريخ الاتحادي ليس ملكا للاتحاديين وحدهم، بل يشكل جزءا من تاريخ الأمة،  وأن الإرث الوطني ما زال مرجعا بالنسبة للحزب بوصفه رافدا من روافد الحركة الوطنية. ويبلغ وضوح الرؤية وصدق الدعوة عندما أعلن جهارا  أن الحوار بين كل الكفاءات الحزبية، الموجودة  في مؤسسات الحزب وغير الموجودة، سيكون حجر الزاوية في مسار التحضير للمؤتمر الوطني القادم، والذي يريده أن يكون مؤتمرا لكل الاتحاديات والاتحاديين المتواجدين في الأجهزة أو المؤمنين بالمبادئ الاتحادية ، حيث قال ” حريصون أن يستمر عمل العائلة الاتحادية في توسيع وهيكلة القواعد الاجتماعية والجماهيرية، وأن نستثمر دينامية المصالحة، من خلال جعل الندوات الوطنية الكبرى التي سنعقدها، مجالا للحوار بين كل الكفاءات الحزبية، الموجودة اليوم في مؤسسات الحزب وغير الموجودة، لكي تسهم بوجهات نظرها في القضايا المتعلقة بالوحدة الترابية والاندماج المغاربي، والبناء الديمقراطي والمؤسساتي، والاقتصاد الوطني، والمسألة الاجتماعية، والسؤال الثقافي، والحريات الفردية. إن نتائج هذا العمل، هي ما سيشكل مشروعا متوافَقا حوله، يتم تقديمه إلى اللجنة التحضيرية التي ستضم كل الكفاءات الاتحادية من أجل اعتماده كأرضية للتصور السياسي والمجتمعي لحزبنا للمرحلة المقبلة.وتجسيدا لقناعتنا الراسخة بوحدة اليسار، فإننا نُعلن أننا سندعو كل التنظيمات اليسارية في المجتمع والنقابات والأحزاب، لبحث أفق جديد للعمل المشترك.”

وفي نفس الإطار ، لكن في سياق آخر ، لم يخف الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي مرارته وهو يتحدث عمن “خذل” التوجه نحو المستقبل عندما قال في خطابه بمناسبة ستينية الاتحاد ” إن الذاكرة الاتحادية هي أيضا ذاكرة الوفاء للتاريخ والعمل المشترك. لذلك، كنا أكثر حرصا على الاحتفاظ بأفضل العلاقات مع من كنا معهم قبل تأسيس الحزب، لا كما يجري اليوم مع بعض الذين غادرونا مؤسسين لإطارات جديدة، كنا نعتقد أننا سنحتفظ معهم بعلاقات جيدة خدمة للمشروع المشترك.”

لنتوقف مليا عند ردود الفعل بعد خطاب” الستينية” ودلالات الرسائل التي وجهها الكاتب الأول إدريس لشكر.  لقد انطلق خطاب التشكيك والطعن، بل والتمادي في ذلك إلى حد أن البعض أراد تنصيب نفسه وصيا على حزب الاتحاد الاشتراكي بالرغم من كونه خارج البيت ، وربط المصالحة بالرحيل المبكر للقيادة الحزبية، مستعجلا ذلك قبل أقل من سنتين عن موعد المؤتمر الوطني؟

في قراءة لبعض هذه المواقف، يتبين أن الأمر يحتمل تفسيرين فقط لا ثالث لهما، فإما أنهم بالفعل لم يستوعبوا الرسالة لقصر نظرهم ، لكونهم اعتادوا على الحلقية والسجال العقيم، وهذه هي الطامة الكبرى، أو أنهم أيقنوا أن التاريخ تجاوزهم وأنهم لن يقدروا على مسايرة الزخم الجديد ، خاصة وأن احتفالية الذكرى ربطت الماضي بالحاضر في تطلع للمستقبل لا من خلال كلمة الكاتب الأول، فقط ، و الذي ذكر بأننا أمام جيل جديد ، بل أيضا من خلال الفقرات الفنية الشبابية التي تم تقديمها ، وهي رسالة واضحة بأن المستقبل مع الشباب، وأن القيادة الاتحادية تراهن على الجيل الجديد لحمل مشعل النضال الديمقراطي،   لمواجهة المد الرجعي الذي بدأ ينخر الجسد المغربي.

 إن بعض الردود  أبانت أن المصالح الخاصة هي التي تتحكم في خطابهم وأحكامهم المسبقة، وهو ما لمح إليه إدريس لشكر عندما قال بالحرف ” التهافت على الأحكام المتسرعة أو المتشائمة، والتسابق على دفن الحاضر ليس فيه طائلة إلا للذين يؤمنون بأن للتاريخ نهاية ؛ ولو كان الأمر كذلك، لما كنا مجتمعين اليوم لاستحضار الماضي، من أجل التوجه للمستقبل. إن المغاربة لم يكونوا يوما عديمي الطموح، لكن المقلق أن يُختزل هذا الطموح لدى البعض في التدافع نحو تحقيق المآرب الفردية، مما يؤدي بالتأكيد إلى تكسير الروابط الاجتماعية وتهديد الديمقراطية.” وعندما يختم كلمته بالقول”  إن المشروع الجماعي هو اليوم بالنسبة إلينا ..تعليم متقدم، اقتصاد منتج، تكافؤ اجتماعي، وحياة عامة آمنة في دولة قوية، بعيدا عن أية وصفات جاهزة تؤدي إلى هزم الذكاء الجماعي وإقبار الطاقات المعطلة والمنسية بفعل تضييق فضاء الاختيار، وحصره في مقاييس القرابات الفئوية والدوائر الخاصة. فوحده النموذج الذي يحظى بالتوافق الوطني يكون قادرا على خدمة المصالح العليا للبلد.” ، علما “بأن التاريخ الاتحادي ليس ملكا للاتحاديين وحدهم” …

error: Content is protected !!